*****
اختصر بعض العلماء ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله ما قيل في سبب تسمية الشهيد بذلك فقال في شرح باب: الشهادة سبع سوى القتل من صحيح البخاري: اختـُلِف في سبب تسمية الشهيد، فقال النضر بن شميل: لأنه حي بالحق أرواحهم شاهدة أي حاضرة، وقال ابن الدفع: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة، وقيل لأنه يشهد له بالأمان من النار، وقيل لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا، وقيل: لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة، وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل، وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة، وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع، وقيل: لأن الله يشهد له بحسن نيته وإخلاصه، وقيل: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره، وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة، وقيل: لأنه مشهود له بالأمان من النار، وقيل: لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا، قال ابن حجر: وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله وبعضها يعم غيره وبعضها قد ينازع فيه. اهـ([1])
شرائط الشهادة.
لاعتبار كون المقتول شهيدا عدة شرائط استفدت من الأدلة الواردة في هذا الباب، ومن هذه الشرائط ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه فأما المتفق عليه:
* الإسلام: فإن الكافر لو استعان به المسلمون فقتل معهم لا يكون شهيدا لأن الشهادة كرامة جعلها الله تعالى لأهل الإسلام في الدنيا وهي في الآخرة تنجيهم من السؤال والحساب، والكافر لا كرامة له في الدنيا والنار مثواه يوم القيامة لا ينفعه عمل ولا يقبل منه أبدا، قال تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) ([2])، وقال تبارك وتعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون)([3])، ومثله قوله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)([4]) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن المكلف إذا وقع في الكفر أو الشرك الأكبر فقد خرج من الملة وحبط عمله كله، ولذلك أهدر الله سبحانه وتعالى أعمال الكفار الذين يأتون بها يوم القيامة وجعلها هباء منثورا مع أنها أعمال صحيحة من حيث الظاهر حيث قال تبارك وتعالى عن الكفار (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) ([5]) وقال تعالى (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء)([6])، فقد أحبط الله أعمالهم لما أتوه من الكفر الأكبر ولم يقبلها منهم، فالكافر لا ينفعه عمل يوم القيامة وفي النار هم خالدون.
* أن يكون مقتولا في معركة الكفار وهذا متفق عليه، وأما من قتل حتف أنفه مثل الغريق وصاحب الهدم والمحترق بالنار والمرأة تموت في نفاسها وما يلحق بهم فهؤلاء وإن جاء النص بتسميتهم شهداء فهم من شهداء الآخرة فقط لأنهم جميعا كانوا يغسلون ويصلى عليهم من لدن النبي r وإلى وقتنا هذا.
* أن لا يكون مرتثا، والمرتث هو الذي فعل ما يفعله الأحياء بعد إصابته وقبل موته كمن قام من مكانه وتحرك أو بات ليلة أو أكثر أو باع أو أشترى أو ما شابه ذلك، فإن بعض الصحابة y ماتوا من جراحاتهم التي أصيبوا بها بعد أن مكثوا وقتا فعلوا فيه فعل الأحياء ومن هؤلاء سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب y، وقد غسل النبي r سعدا وصلى عليه مع أنه مات بسبب جرحه التي أصيب بها يوم الخندق، وكذلك غسل الصحابة من ذكرنا منهم وصلوا عليهم، وسنفرد هذه المسألة بالشرح لأهميتها ولكثرة الخطأ فيها والسؤال عنها من قِبل المجاهدين.
* ومن الشرائط المتفق عليها أن لا يكون قد قتل بحق كمن قتل في حد من حدود الله تعالى أو تعزير شرعي فهذا لا يكون شهيدا وإن كان مقتولا.
وأما ما اختلف فيه من الشرائط:
كون المقتول قتل في قتال البغاة أو الخوارج أو المحاربين وقطاع الطريق ومن قتل في دفع الصائل على الدين والحرمة والمال وقد قدمنا في الباب الأول من الأدلة وأقوال أهل العلم ما يدل على أن الراجح هو أن كل هؤلاء شهداء لهم حكم شهداء معركة الكفار ومن هذه الأدلة:
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي r يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد)، وقد بوب مسلم رحمه الله في صحيحه على هذا الحديث باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد، وروى عن سليمان الأحول أن ثابتا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره أنه لما كان بين عبد الله بن عمرو وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسروا للقتال فركب خالد بن العاص إلى عبد الله بن عمرو فوعظه خالد، فقال عبد الله بن عمرو: أما علمت أن رسول الله r قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد )، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)([7])، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله r قال: (من قتل دون ماله مظلوما فله الجنة)([8])، وعن سويد بن مقرن t قال: قال رسول الله r (من قتل دون مظلمته فهو شهيد)([9])، وعن أبي هريرة t قال جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟، قال r: (فلا تعطه مالك)، قال الرجل: أرأيت إن قاتلني؟، قال r: (قاتله)، قال الرجل : أرأيت إن قتلني؟ قال r: (فأنت شهيد)، قال الرجل: أرأيت إن قتلته؟، قال r: (هو في النار)([10])، وعن أبي هريرة أيضا قال: جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله أرأيت إن عُدِيَ على مالي؟، قال r: (فانشد بالله)، قال الرجل: فإن أَبَوْا علي؟، قال r: (فانشد بالله)، قال الرجل: فإن أبوا علي؟، قال r: (فانشد بالله)، قال الرجل: فإن أبوا علي؟، قال r: (فقاتل فإن قُتِلت ففي الجنة، وإن قَتَلت ففي النار)([11])، أي من قتلته ممن يريد العدوان على حر مالك فهو في النار لأنه ظالم معتد ودمه هدر.
وقد عقد الخلال في كتاب السنة فصلا لما ورد عن أحمد بن حنبل رحمه الله في بيان مشروعية الدفاع عن المال والنفس والعرض وأن هذا من الجهاد المشروع وأن من قتل في هذا فهو شهيد، فقال أخبرني عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان العاقولي أنه قال لأبي عبد الله: يقاتل اللصوص؟ قال: إن كان يدفع عن نفسه، وعن صالح بن أحمد أنه سأل أباه عن قتال اللصوص فقال: كل من عرض لك يريد مالك ونفسك فلك أن تدفع عن نفسك ومالك، وعن عبد الملك الميموني أن أبا عبد الله قال له في هذه المسألة: قال النبي r (من قتل دون ماله فهو شهيد).
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: وسنة رسول الله r تدل على أن للمرء أن يمنع ماله وإذا منعه بالقتال دونه فهو إحلال للقتال والقتال سبب الإتلاف لمن يقاتل في النفس وما دونها، ولا يحتمل قول رسول الله r والله تعالى أعلم من قتل دون ماله فهو شهيد إلا أن يقاتل دونه، ولو ذهب رجل إلى أن يحمل هذا القول على أن يقتل ويؤخذ ماله كان اللفظ في الحديث من قتل وأخذ ماله أو قتل ليؤخذ ماله ولا يقال له قتل دون ماله ومن قتل بلا أن يقاتل فلا يشك أحد أنه شهيد.اهـ([12])
وفي بيان أن من قتل في قتال البغاة فهو شهيد قال الكاساني الحنفي رحمه الله: إذا قُتِلَ الرجل في المعركة أو غيرها وهو يقاتل أهل الحرب أو قتل مدافعا عن نفسه أو ماله أو أهله أو واحد من المسلمين أو أهل الذمة فهو شهيد، سواء قتل بسلاح أو غيره لاستجماع شرائط الشهادة في حقه فالتحق بشهداء أحد، وكذلك إذا صار مقتولا من جهة قطاع الطريق، دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (من قتل دون ماله فهو شهيد) وهذا قتل دون ماله فيكون شهيدا بشهادة النبي rوكذا إذا قتل في محاربة أهل البغي، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يغسل في أحد قوليه لأن على أحد قوليه يجب القصاص على الباغي فهذا قتيل أخلف بدلا وهو القصاص وهذا يمنع الشهادة عنده على ما مر.
ولنا ما روي عن عمارt أنه لما استشهد بصفين تحت راية عليt فقال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني ألتقي ومعاوية بالجادة، وكان قتيل أهل البغي على ما قال النبي r: (تقتلك الفئة الباغية)([13]) وروي أن زيد بن صوحانt لما استشهد يوم الجمل فقال: لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة من قتلني([14])، وعن عليt أنه كان لا يغسل من قتل من أصحابه، ولأنه في معنى شهداء أحد لأنه قتل قتلا تمحض ظلما ولم يخلف بدلا هو مال، ووجوب القصاص في قتل الباغي ممنوع وعليه إجماع الصحابة y أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو باطل. اهـ([15])
وقال ابن قدامة رحمه الله في قتيل أهل البغي: ومن قُتِل من أهل العدل في المعركة فحكمه في الغسل والصلاة حكم من قتل في معركة المشركين، لأن عليا t لم يغسل من قتل معه وعمار t أوصى أن لا يغسل وقال: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم، قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل أنا مستشهدون غدا فلا ثوبا ولا دما، ولأنه شهيد المعركة أشبه قتيل الكفار وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه يغسلون لأن أسماء رضي الله عنها غسلت ابنها عبد الله بن الزبير، والأول أولى لما ذكرناه، وأما عبد الله بن الزبير فإنه أخذ وصلب فهو كالمقتول ظلما وليس بشهيد. اهـ([16])
* ومما اختلف فيه أيضا من شرائط الشهادة كون المقتول بالغا والصحيح أنه لا يشترط ذلك لما ورد عن أنس أنه قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي r فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال r (ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي، إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس) وقد سبق
* ومما اختلف فيه أيضا أن يكون المقتول طاهرا والراجح في ذلك أنه لا يشترط الطهارة في اعتبار الشهادة فقد كان حنظلة الغسيل شهيدا قبل أن تغسله الملائكة.
قال الكاساني رحمه الله: وأما الشهيد فالكلام فيه في موضعين، أحدهما: في بيان من يكون شهيدا في الحكم ومن لا يكون، والثاني: في بيان حكم الشهادة في الدنيا، أما الأول فمبني على شرائط الشهادة وهي أنواع:
* منها أن يكون مقتولا حتى لو مات حتف أنفه، أو تردى من موضع، أو احترق بالنار، أو مات تحت هدم، أو غرق لا يكون شهيدا لأنه ليس بمقتول فلم يكن في معنى شهداء أحد، وبأي شيء قتل في المعركة من سلاح أو غيره فهو سواء في حكم الشهادة لأن شهداء أحد ما قتل كلهم بسلاح بل منهم من قتل بغير سلاح.
* ومنها أن يكون مظلوما حتى لو قتل بحق في قصاص أو رجم لا يكون شهيدا، لأن شهداء أحد قتلوا مظلومين وروي أنه لما رجم ماعز جاء عمه إلى النبي r فقال: قتل ماعز كما تقتل الكلاب فماذا تأمرني أن أصنع به؟ فقال النبي r: (لا تقل هذا فقد تاب توبة لو قسمت توبته على أهل الأرض لوسعتهم اذهب فاغسله وكفنه وصل عليه)، وكذلك من مات من حد أو تعزير أو عدا على قوم ظلما فقتلوه لا يكون شهيدا لأنه ظلم نفسه وكذا لو قتله سبع لانعدام تحقق الظلم.
ومنها أن لا يخلف عن نفسه بدلا هو مال حتى لو كان مقتولا خطأ أو شبه عمد بأن قتله في المصر نهارا بعصا صغيرة أو سوط أو وكزه باليد أو لكزه بالرجل لا يكون شهيدا، لأن الواجب في هذه المواضع هو المال دون القصاص وذا دليل خفة الجناية فلم يكن في معنى شهداء أحد…إلى أن قال:
ولو نزل عليه اللصوص ليلا في المصر فقتل بسلاح أو غيره أو قتله قطاع الطريق خارج المصر بسلاح أو غيره فهو شهيد لأن القتيل لم يخلف في هذه المواضع بدلا هو مال، ولو قتل في المصر نهارا بسلاح ظلما بأن قتل بحديدة أو ما يشبه الحديدة كالنحاس والصفر وما أشبه ذلك أو ما يعمل عمل الحديد من جرح أو قطع أو طعن بأن قتله بزجاجة أو بليطة قصب أو طعنه برمح لا زج له أو رماه بنشابة لا نصل لها أو أحرقه بالنار، وفي الجملة كل قتل يتعلق به وجوب القصاص كان شهيد.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يكون شهيدا، واحتج بما روي (أن عمر وعليا غسلا) ولأن هذا قتيل أخلف بدلا وهو المال أو القصاص فما هو في معنى شهداء أحد كالقتيل خطأ أو شبه عمد، ولنا أن وجوب هذا البدل دليل انعدام الشبهة وتحقق الظلم من جميع الوجوه إذ لا يجب القصاص مع الشبهة فصار في معنى شهداء أحد بخلاف ما إذا أخلف بدلا هو مال لأن ذلك أمارة خفة الجناية لأن المال لا يجب إلا عند تحقق الشبهة في القتل فلم يكن في معنى شهداء أحد ولأن الدية بدل عن المقتول فإذا وصل إليه البدل صار المبدل كالباقي من وجه لبقاء بدله فأوجب خللا في الشهادة فأما القصاص فليس ببدل عن المحل بل هو جزاء الفعل على طريق المساواة فلا يسقط به حكم الشهادة وإنما غسل عمر وعلي لأنهما ارتثا والارتثاث يمنع الشهادة على ما نذكر…إلى أن قال:
* ومنها أن لا يكون مرتثا في شهادته وهو مأخوذ من الثوب الرث وهو الخلق، والأصل فيه ما روي أن عمر رضي الله عنه لما طعن حمل إلى بيته فعاش يومين ثم مات فغسل وكان شهيدا وكذا علي حمل حيا بعد ما طعن ثم مات فغسل وكان شهيدا وعثمان أجهز عليه في مصرعه ولم يرتث فلم يغسل وسعد بن معاذ ارتث فقال النبي r (بادروا إلى غسل صاحبكم سعد كيلا تسبقنا الملائكة بغسله كما سبقتنا بغسل حنظلة) ولأن شهداء أحد ماتوا على مصارعهم ولم يرتثوا حتى روي أن الكأس كان يدار عليهم فلم يشربوا خوفا من نقصان الشهادة فإذا ارتث لم يكن في معنى شهداء أحد…إلى قوله:
* ومنها ـ أي من شرائط الشهادة ـ كون المقتول مسلما فإن كان كافرا كالذمي إذا خرج مع المسلمين للقتال فقتل يغسل لأن سقوط الغسل عن المسلم إنما ثبت كرامة له والكافر لا يستحق الكرامة.
* ومنها كون المقتول مكلفا هو شرط صحة الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا يكون الصبي والمجنون شهيدين عنده وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ليس بشرط ويلحقهما حكم الشهادة…إلى أن قال:
* ومنها الطهارة عن الجنابة شرط في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما ليس بشرط حتى لو قتل جنبا لم يكن شهيدا عنده خلافا لهما، وجه قولهما أن القتل على طريق الشهادة أقيم مقام الغسل كالذكاة أقيمت مقام غسل العروق بدليل أنه يرفع الحدث، ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى ما روي أن حنظلة استشهد جنبا فغسلته الملائكة حتى قال رسول الله r: (إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما باله) فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهيعة فقال r: (لذلك غسلته الملائكة). اهـ([17])
حكم المرتث([18]).
يسأل كثير من المجاهدين عن حكم من يصاب في المعركة غير أنه ربما يعيش فترة قصرت أو طالت وربما ينقل خلالها إلى مكان آخر ويتكلم بكلام الأحياء وربما أكل أو شرب ثم يموت بعد ذلك، فهل يغسل ويكفن ويصلى عليه مثل باقي الأموات أم أن هذا له حكم شهداء الدنيا والآخرة فلا يفعل به هكذا؟
والصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة أن من كان مثل هذا فإن له منزلة الشهيد في الآخرة غير أن حكمه في الدنيا حكم سائر الأموات بخلاف من مات في مكان القتال أو أجهز عليه في مكانه ولو تكلم والدليل على هذا التفريق:
* ما ورد في قصة موت سعد بن معاذ t وكان قد أصيب يوم خيبر ولكنه بقي مدة حتى حكم في بني قريظة([19])
وعمر t لما طعنه أبو لؤلؤة حمل إلى بيته فعاش يومين ثم غسل وذلك بحضرة كبار الصحابة y([20])، وكذلك علي t حمل حيا بعد ما طعن ثم غسل([21]).
فأما عثمان t فأجهز عليه في مصرعه ولم يغسل([22])، فعرفنا بذلك أن الشهيد الذي لا يغسل من أجهز عليه في مصرعه دون من يحمل حيا ليمرض في خيمته أو في بيته.
قال الكاساني رحمه الله: ثم المرتث من خرج عن صفة القتلى وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها أو وصل إليه شيء من منافعها، وإذا عرف هذا فنقول من حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته أو على أيدي الرجال فهو مرتث، وكذلك إذا أكل أو شرب أو باع أو ابتاع أو تكلم أو قام من مكانه ذلك أو تحول من مكانه إلى مكان آخر وبقي على مكانه ذلك حيا يوما كاملا أو ليلة كاملة وهو يعقل فهو مرتث، وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا في ذمته وهو يعقل فهو مرتث وإن بقي في مكانه لا يعقل فليس بمرتث، وقال محمد رحمه الله تعالى إن بقي يوما فهو مرتث ولو أوصى كان ارتثاثا عند أبي يوسف رحمه الله تعالى خلافا لمحمد وقيل لا خلاف بينهما في الحقيقة فجواب أبي يوسف رحمه الله تعالى خرج فيما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا وذلك يوجب الارتثاث بالإجماع لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا ومصالحها فينقض ذلك معنى الشهادة، وجواب محمد رحمه الله تعالى محمول على ما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة وذلك لا يوجب الارتثاث بالإجماع كوصية سعد بن الربيع وهو ما روي أنه لما أصيب المسلمون يوم أحد ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله r: (هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع) فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من بني النجار فوجده جريحا في القتلى وبه رمق فقال له: إن رسول الله r أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله r عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك خير ما يجزي نبي عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعدا يقول لا عذر لكم ثم الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات فلم يغسل وصلي…إلى أن قال:
ثم المرتث وإن لم يكن شهيدا في حكم الدنيا فهو شهيد في حق الثواب حتى أنه ينال ثواب الشهداء كالغريق والحريق والمبطون والغريب أنهم شهداء بشهادة رسول الله r لهم بالشهادة وإن لم يظهر حكم شهادتهم في الدنيا. اهـ([23])
وفي شرح قول الخرقي: (وإن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه) قال ابن قدامة رحمه الله: معنى قوله رمق أي حياة مستقرة فهذا عليه وإن كان شهيدا لأن النبي r غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما حتى حكم في بني قريظة ثم انفتح جرحه فمات وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه وإن مات في المعترك أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه ونحو هذا قول مالك قال إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل، وقال أحمد في موضع إن تكلم أو أكل أو شرب صلي عليه، وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا، وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في المعترك يوما إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلي عليه، وقال أصحاب الشافعي إن مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه وإلا فلا، والصحيح التحديد بطول الفصل أو الأكل لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع.
وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها لأنه يروى أن النبي r قال يوم أحد: (من ينظر ما فعل سعد بن الربيع) فقال رجل: أنا أنظر لك يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به رمق فقال له إن رسول الله rأمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، قال: فأنا في الأموات فأبلغ رسول الله r عني السلام) وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن مات، وروي أن أصيرم بن عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد فقيل له ما جاء بك؟ قال: أسلمت ثم جئت، وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي r (ادفنوهم بدمائهم وثيابهم) ولم يغسلهم ولم يصل عليهم وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفي قصة أهل اليمامة عن ابن عمر أنه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الأنفي قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل، وفي فتوح الشام أن رجلا قال: أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدت به حياة فوجدت الحارث بن هشام فأردت أن أسقيه، فإذا رجل ينظر إليه، فأومأ لي أن أسقيه فذهبت إليه لأسقيه، فإذا بآخر ينظر إليه فأومأ إلي أن أسقيه، فلم أصل إليه حتى ماتوا كلهم، ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب. اهـ([24])
فأما ما ورد في فضل الشهادة من أدلة في الكتاب والسنة فكثير ومنها:
قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)([25])
فقد بين الله تبارك وتعالى أن القتل الذي يحذر الناس منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون وذلك إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني من القدر، فبين الله تعالى في الآية الكريمة ما أعده للشهداء الذين يقتلون في سبيله من الكرامة والنعيم والفضل بما يحفز غيرهم على الجهاد في سبيل الله ولا يزهدهم فيه، فبين تعالى أن الشهداء وإن رآهم الناس قد ماتت أجسادهم فإن أرواحهم حية تسرح في أنهار الجنة ونعيمها حيث شاءت وتأكل من ثمارها ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن تعالى بحيث أنهم لا يتمنون على الله شيئا حين يسألهم لأنهم قد حصلوا منتهى النعيم والكرامة التي لا شيء بعدها.
قال الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية جامعا ما ذكر فيها: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) يقول: ولا تحسبنهم يا محمد أمواتا لا يحسون شيئا ولا يلتذون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي متنعمون في رزقي فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي وحبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي، وساق بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله عز وجل على رسول الله r هؤلاء الآيات، وعن مسروق بن الأجدع قال: سألنا عبد الله بن مسعود t عن هذه الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) الآية قال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطلع الله إليهم اطلاعة فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا، ثلاث مرات، ثم يطلع فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا إلا أنا نختار أن ترد أرواحنا في أجسادنا ثم تردنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: (الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء أو قال ـ في روضة خضراء ـ يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا، وعن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله r: (ألا أبشرك يا جابر) قلت: بلى يا رسول الله، قال (إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى)، وعن قتادة: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله r قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة وأن مساكنهم السدرة...إلى أن قال الطبري رحمه الله:
قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد r يرغب المؤمنين في ثواب الجنة ويهون عليهم القتل (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) أي قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه، وعن الضحاك قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر يبلون فيه خيرا ويرزقون فيه الشهادة ويرزقون فيه الجنة والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآية، وعن أنس بن مالك أنه قال في أصحاب النبي r الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة: لا أدري أربعين أو سبعين، قال: فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي r حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله r أهل هذا الماء، فقال: أراه أبو ملحان الأنصاري أنا أبلغ رسالة رسول الله r، فخرج حتى أتى حيا منهم فاحتبى أمام البيوت ثم قال يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، فأنزل الله تعالى فيهم قرآنا رفع بعد ما قرأناه زمانا وأنزل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء)...إلى أن قال رحمه الله:
قوله (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني بذلك تعالى ذكره ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم فرحون أنهم إذا صاروا كذلك (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني بذلك لا خوف عليهم لأنهم قد أمنوا عقاب الله وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها للخفض الذي صاروا إليه والدعة والزلفة، وعن قتادة قوله (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) الآية، يقول: لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم، وعن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم في قوله(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة قالوا ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه فإذا شهدوا قتالا تعجلوا إلى ما نحن فيه، فقال الله تعالى إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه، ففرحوا به واستبشروا وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه فإذا شهدوا قتالا أتوكم، قال: فذلك قوله (فرحين بما آتاهم الله من فضله) إلى قوله (أجر المؤمنين)، وعن السدي (يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.
قوله تعالى (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) يقول جل ثناؤه: يفرحون بنعمة من الله يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله r وجهاد أعدائه، (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)، ومعنى قوله (لا يضيع أجر المؤمنين) لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بما جاءه من عند الله. اهـ
وعن أنس t عن النبي r قال: (يؤتى بالرجل من أهل الجنة يوم القيامة فيقول الله عز وجل يا ابن آدم كيف وجدت منزلك فيقول يا رب خير منزل، فيقول: سل وتمنه، فيقول: ما أسأل وأتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة)([26]).
وعن البراء t قال: أتى النبي r رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال r: (أسلم ثم قاتل)، فأسلم ثم قاتل فقُتِل، فقال رسول الله r: (عمل قليلا وأجر كثيرا)([27]).