عشقان 04-04-2006, 10:56 PM الاهـــداء
إلى التراب الآتي...
أبحوحة من آمال فرج العيادى :
لــحـست القاع
وانـتـظرت وصـول حــجــر رشـــيدي السائح بـلـلاً، مــرافئا..
تنبيه الرواية تحتوي على بعض الالفاظ النابية
لذلك ينصح بعدم قرائتها من صغار السن 18+
وبالنسبة للرواية هي تحت التصويت
آمل من كل شخص يحرص على سمعة الموقع والمنتدى ابداء الرأي والمشورة
إن كانت هذه القصة تناسب أم لا
عشقان 04-04-2006, 10:57 PM مـقـدمــة
عبد الحكيم المالكي
ناقد ليبي شاب
من مراكش لصلالة، ومنها لبنغازي، ومن بنغازي لأصيلة، ومنها لطنجة، ومنها لِتاريفو فبرشلونة، ومن تورابورا إلى غوانتانمو مروراٌ بكابل، ومن زليتن إلى بنغازي، تحركت فواعل نص المداسة، لمبدعه القادم من عوالم القص القصير المكثف، وعبر تجربة مميزة تابعتها عن كثب، جعلت من نصه القصير مكثفا وحاداٌ وبالغ التجديد والروعة، وهنا أيضا يعود مازجا ومناغماً بين بوح النص الشفيف، والسرد المتدفق لحكاية غاية في التعقيد والاختلاط، يدخل (محمد الأصفر) عالم الرواية بعمل عَجن فيه عبر حبكة مميزة خليطاً من فواعلَ عربية متعددة الجنسيات، وتمكن عبر جمالية اللكنات المحلية الحاضرة بإتقان وحرفية (ليبي، عماني، مغربي)، وعبر شدة الحضور لمصاحبات تلك الشخصيات سواء علي المستوى الشخصي المادي أو المستوي الشعوري والقيمي والثقافي من نسج عمل من المجازفة الاعتقاد بسهولة قراءته وإدراك مضامينه من زاوية نقدية واحدة، أو نظرة مستعجلة. عمل تميز على مستوى الخطاب بتبادل الصيغ السردية، وتعدد وتراكب نقاط التبئير مع تلاعب زمني خالط الأشياء والأزمنة في عجين متوتر، ناثرا بذاك التحركات الزمنية بين أسنان النص الشعري المكثف، ليتمكن بسهولة وتميز من خلط الورقة الزمنية بإتقان، وعلى مستوى الدعوى النصية بالتطرق لأخطر بؤر الصراع السياسي والأيدلوجي والديني جاعلا من قدرية الفاعلة، أو قدرية الرمز القادمة من صلالة الطيب والعنبر والُّلبان، صلالة العمانية، وهي تودع فجيعتها ووليدها الريحان، تطاردها جيوش ومحامون، وأبو الريحان، والراحل مع فيروز لبيشاور في صمت الأهل والمحيطات.
قدرية المعانقة لرفيق عودتها الأندلسية، وصنوِ رحلتها علي أدرُج بمراكش، تتوجه معه لأصيلة، فطنجة.. يرتعش ويتنامى نص (الأصفر)، ومع العبور تتقاطع المصالح العلاقات، وتنتهي قدرية الأم، قدرية الرمز، وهي تضع لِباكيها آماله، ومع حضور الفقد يتنامي النص، وتتعدد الرؤى، وينسج البوح الباكي الجميل، وتختلط الأشياء، ونجد أنفسنا عبر تقطيع النصوص المضمنة للسرد السريع والمتنامي، نرحل مع الفواعل الأم الروح (قدرية) والزوج (محمد)، والأخ (الريحان) والأخت (آمال) والزوج (الزعفراني)، وهم يتيهون في سديم نص (الأصفر) المراوغ بين برشلونة ونيويورك، ومن كابول لتورا بورا، ومن غوانتانمو لزليطن، ومنها لبنغازي، وعبر كل ذلك الرحيل والتيه والتشظي والبؤس، تختلط أمامنا حدة معيشهم بحدة الحدث الدولي، وتتقاطع مشاربُهم بتقاطع التشظي والاختلاف الإسلامي والعربي والعالمي، فيصبح الوعي الفاعل هو المسيطر. ومن خلال تقاطع الصوفي والأسطوري مع عجين من بكاء حار، وحضور مميز لكل محيطات الروائي المزعفر بالاصفرار، يتنامي فعل السرد ليندس فيه مضمنات لا حدود لها، ابتداءً من توهم أسطوري باستخراج الكنوز، وبتضمين حضور خرافي لفواعل لا حياتية مثل اللبان والزعفران والبخور والتبركات بالأولياء، مع مشاعر فياضة هاطلة أثناء تغيرات عقائدية أو معيشية، وعبر عجن كل ذلك بخليط من محيطات الروائي نفسه ابتداء من مطربين شعبيين إلى مقاهي وشخصيات وأسماء وطنية ليبية أو عربية عُمانية أو مغربية، متمكنا بإتقان من جعل التراكب والانسجام طبيعيا وهادرا من خلال الاستفادة من استراتيجية التضمين للنص المراوغ، والذي يتداخل بين فجوات السرد ليغلق الفتحات، ويتحدث في انفتاح عن المرغوب في عدم مباشرته علانية، ورسم حضور متميز لحالة الشخوص انطلاقا من عدم الاتكاء على الرصد المباشر وإنما بالانزواء الجانبي لقوى الوعي الراصد لكل المحيطات عبر فعل لغوي متقن لإنثيالات ذهنية ذات تماثلات مفاهيمية جديدة، فتلبس من خلاله مبأراته وعيا وحضورا متميزا وتشكلا ماتعا غير مسبوق، وتتكون عبر تضافر جمالية التشكيل الخطابي والدعوى النصية المميزة، والطرح الفلسفي والفكري لرؤى ذات بعد وجودي وعالمي، وعبر استراتيجية السيطرة النصية المنفتحة، هي والرموز المضمنة على التأويلية المتعددة خرج نص (المُداسة) تعديدا منفتحا ومالكا لتشكيل مختلف عن كل ما سبقه، ويبدو فعل النص المترادف الكلمات والمتناغم الشعرية حاضراً بين ثنايا السرد المتنامي بشكل مختلف عما اعتيد من سنن سابقيه، (الفقيه) الناثر للدفق الخطابي عبر تشظي معيش بطله (خليل الإمام) في الثلاثية، وعبر دقة وقوة البوح المتدفق أثناء الحديث العاطفي أو الهوس الجنسي والأسطوري، (الكوني) الباث لنصوص الدفق المتتالي كوظائف ذات بعد استراتيجي بغية الوعي بالمقصودات والسيطرة على المتلقي كالمدية وعقد الرتم والطير المهاجر في واو الصغرى، بينما يعجن (محمد الأصفر) في مُداسته الأولى المكثف والشعري بين السطور من بداية النص حتى آخره، ليتحول ذلك المكثف ليس لفعل سيطرة أو فعل بوح فقط ولكن لفعل تضمين لمرادات خفية، مرادات على كل منا أن يكافح قليلا لبلوغ بعض منها.
عمل متميز ونص ذو دفق متتالي، وهاجس ببوح متشظي لشخوص أو فواعل يمثلون بعضا منا أو جزءاً منا، نص عميق يحتاج للكثير من التأني قبل الحكم عليه.
عشقان 04-04-2006, 11:00 PM الجزء الأول: قـدرية
http://www.ediwan.4t.com/alasfar/pics/part-01.jpg
الجـزء الأول: قـدريِّـة
ميهة باردة.. برّد يا عطشان..
طق.. دق.. طاف..
حنا ماكنشافيوش الله هو الشافي..
شك.. بك.. نك..
اللّي عنده حجر الكلاوي.. سلس البول.. حريق المعدة.. النبولة..
تك.. بك.. شك.. طاف.. دق..
زيدْ قرّب.. زيدْ قرّب.. اللي ماشرا يتنزه..
طق.. دق.. بك.. تك..
اللي عنده وكرمنا الله يزيدوا واللي ما عنده الله يجيب.
طق.. دق.. بك.. بم.. بم..
ميهة باردة.. كلاوي.. حريق.. البول.. قرّب..
ما نعطيك.. يتفرج.. الله..
ساحة جامع الفناء واسعة مرصوفة، مقسَّمة بخطوط بيضاء سوّدتها النعال.. كل مربع أو دائرة وسمته البلدية برقم مصفر، تتبعثر في أرجائها حلقات بشرية تُذكَّرنا بأجواء سوق عكاظ.. روّاضوا الأفاعي والثعابين، مُلعَّبوا القرود وبنات آوي، بُصَّار الكف، ضُرّابُ الودع.. شَعْواذة ينادونك باسمك دون سابق معرفة، باعة التمور والمكسرات وعصائر الموالح.. عربات للأطعمة الشعبية، سُقاة بملابسهم الحمراء يتبارون في قرع أجراسهم ورطْمِ أقداحهم المعدنية للعطاشى.. الأحمر الطوبي طاغٍ في الأرجاء، أينما تولَّي وجهك يطالعك لون الطين.
مراكش عجينة الأديم.. حمراء القاع.. خضراء الجمَّة والخصلات.. ما ألذّ تمر وخمر نخيلك.. كم أحببتك أيتها الآسرة الودود.. أوْهجتني تداعيات الود.. فارتقيت أتبرّد على قمم أوريكا.. بياض ناصع خضلَّ بدفء حمرة الشروق والغروب.. خفّضت رأسي وفركت عيني الدامعتين، أتأمل الزحام، أنصت للصخب.. العربة ذات الحصانين تجلبُ السوّاح.. أحد الحصانين يزبّل مديراً رأسه لجذبة اللّجام.. لسعة سوطٍ تركّضهما.. الآخر يرفع ذيله مفسحاً الطريق لدَلقةِ روث قادمة.. تناغم شجي ينساب من أجراس الطوْقين يمتزج بطرقات النعال على الإسفلت... بأصداء صهيل بعيد يقترب.. في نهاية الامتداد الكتبية شامخة بهامتها المربعة..
كم من أمطار غسلتها..!
كم من صهود لفحتها..!
وكم.. من دماء سفكتها..!
حافلة كبيرة تفرغ فوج سوّاح يرتدون ملابس متنوعة متعددة الألوان، تلمس بوضوح أممية الكساء.. جلابية مغربية مع سروال جينز.. بُلغَة فاسية مع قبعة مكسيكية.. عالم مدهش يرسم على المُحيّا شَدَاهَة مرحة ويبعث في الروح ظماءات للإدراك.
المنظر أخّاذ، والجو العابق بأريج التاريخ والحضارات يعود بقرننا المختونة خيراته إلى أزمان ألف ليلة وليلة.. الدراهم تقفز من الجراب بطيب خاطر، والتي لا تقفز تبلل المحفظة بدموعها.
أتسكع بين حلقات الاسترزاق.. أقلّب عن قصيدتي المبتورة.. لا أجزم أنّي سأرتقها.. لكن قلبي يصرخ بألاّ أوقف البحث.. ما أنْ أذوب في حلقة، حتى أتكثف في أخرى.. ميلودراما الأحاسيس تتنازع ذائقتي.. أُبحلق في العيون، أتجرأ واقترب.. تغزوني صنّة شبقية.. لا أُقاوم.. لكن ابتعد.. ابتعد.. هدّني التعب.. تهالكت على صندوق جنب عربة برتقال.. أتأمل الجبال المزينة جيد مراكش بعقد من جلاميد الجليد.. أرفع رأسي أكثر!.. القمم الثلجية تلامس السحاب.. تغلّق عليه فراغ أخاديدها فيفرّ من الفخ.. آخر ساهٍ يحلّ مكانه.. قبل الانغلاق ينتبه فيرحل مع أول نسيم.
استغرقت في المنظر بمخيالاتي..
من صدّع الجليد؟!
ليس ضوء الشمس ولكان روئبنا.. افتح عيني اكثر.. أكثر!
سحابتان تتراودان. ترفضان هرش الجليد.. يتطاول نحايتهما يلاحقهما. يكثّف بخار المسافات بلظى الاقتراب.. يستنجد بالضباب.
إلهي غيّم على وشك العناق.
شكع برق أبهر النهار.
في لحظة الشكع لحظتُك تطلّين.
أمظلمة تستأنسين بالشرر؟
أفي وحشة تمكثين؟!
ضفائرك تهتز.. تتوقف حال ملامستها نفور نهديك.. مغناطيس يغوي برادة شعر.. برقٌ أقوى ُيدَّوي.. خصلة شعر تهبط من جمتك.. تحط أسفل جبينك الوضّاء. إحدى شعيراتها تطاولت واستحمت بدمعة. مواصلة رحلتها إلى مرفأ خالك المُسمر والمتسمّر أسفل فتحة الأنف.
لا تقطعي شعرة الري تلك.
هَززتي رأسك فتناثر المزيد.. دمع منثور كومض نور.. أحُسّك ترتعدين من البرد. تدلين ناحيتي دلاء الأنامل.. مددتُ لك معطفي. رفضت أنْ تتناولينه.
- أنتَّّ أحوجُ.. لدينا جمر البرق.
- شعرة الري.. شعرة الري..
- اطمئن لن ألمسها غاضبة أو مصمّغة !
- شعرة الري.. شعرة الري..
- اطمئن.. اطمئن.
قلت للملتحي المحفوف الشارب المربت على كتفي:
لا أتقرب إلى الله بمعطفي.. أُناجي نقطة خال تحت فتحة أنف لامرأة هناك.. فوق.. فوق..!
- وهل هذه المرأة محرم؟
- لا
- أنت زنديق !
- لم تبتعد !!
كنت برداناً جائعاً، صعدت مطعماً فوق سطح نزل شعبي يشرف على الساحة.. التهمت صحن كسكسي وطبق سلطة.. أشعلت سيجارة رشفت من الشاي وبين السحب والرشف أراقب الساحة.. الخلق تتجمع مجدداً قافلة مظلاتها.. نافضة معاطفها وستراتها من قطيرات المطر.
عاد النشاط يعم الحلقات أغمضت عيني لبرهة وفتحتهما رافعاً رأسي إلى السماء.. ابتسمت لنفسي ونفسي لابتسامتي.. وابتسامتي قهقهت متسعة.
نقدت النادل ونزلت منخرطاً في الحلقات.. مشاهداً ومشاركاً بحماس.. لم ألعب كفاية في صغري.. أبي عامل يومية.. يخرج فجراً ويعود بعد صلاة العشاء.. كانت أمي تقفل علينا الكوخ فأتلصص من خلال الثقوب لشبه الحياة اليومية.. لا أذهب إلى السينما إلاَّ أيام العيد.. وما أقلّها الأعياد.. وقد تكون أياماً يعمل فيها والدي.. البحر ممنوع والأقران الميسورون يتباهون.. أحياناً أُعاند وأهرب من الكوخ.. أذهب إلى سبخة (رأس عبيده).. اصطاد الفراشات بشريط بلاستيكي.. واسبح شبه عارٍ على ضفافها الضحلة.. كثيراً ما وشا الوشاة فضربني أبي بقسوة.. ووبخ أمي وبيخاً بذيئا.. مقسماً بتطليقها أو الزواج عليها بمصرية إنْ غفلت عني لحظة واحدة.
لا أدري لِمَ يفعل والدي ذلك؟.. إلى الآن لم أفهم وحتى وإنْ فهمت فسأعتبره فهماً بائتاً!.
أعيش في مراكش بعمر طري.. طفل مِعنَاد مصرّ على رؤاه البكر.. ألعب.. أشارك.. ضحكاتي صاخبة.. أزُنّر رقبتي بالزواحف.. وأجعل جيوبي أغماداً للعقارب والثعابين.. أشاكس القرود.. أناوش الراقصين غامزاً لعيونهم الكحيلة.. جاذباً خُمرهم لأرى هل أفواههم مصبوغة (بالروج) أم بالسواك.. أدقُّ الطبل بعنف وحرفنة.. وفي حلقة قصيّة صادفت (دربوكة) فخّارها مزركش كأواني (غريان).. وجلدها مشدود محنَّى. أوقفت الزامر بعشرين درهماً وطلبت من عربة قريبة كتلة تمر معجون.. قرّصتها دائرياً وألصقتها على جلد الدربوكة. ثم لفّحت الجلد على النار. التصق التمر أكثر. والجلد توتر أشد.. رفعت الدربوكة عالياً وأوعزت للزامر بالبدء مصاحبه بنقرات من إيقاع (المرسكاوي) البديع. خلت الدربوكة تخاطبني:
- محمد... محمد.. لولا الإيقاع الشجي الذي انفثه لمزقني الصفع!.
رأفت بها وتخيلت وجهها. فهدّأتُ النقر إلى تمسيد وتمسيح.. ووافقني الزامر بإبطاءٍ قارب العشاق من بعضهم.. وفي السماء تراقص وتلامس السحاب.. وشرع في الامتزاج.. وأدمع وأرعف دماً بارداً.. انتهت وصلة الزَّمير وجمّع الشيخ الدراهم في الطربوش.. وعندما هممت بالمغادرة استوقفني قائلاً: ما ناكلوا أرزاق العباد.
كشط قرص التمر من على جلد الدربوكة.. قسّمه لقيمات إشتراها السواح برغبة.. ثم أعاد لي العشرين درهماً ونفحني حفنة مال لا بأس بها.. يبدو أنني لفتُّ النظر.. الكثير أحسّه يراقبني بفضول.. لمست رأسي فلم أجد ريشة! ربما لمسي أعمى من كثرة التبصيم.. وفجأة جذب ذراعي عجوز ملتحٍ تفوح منه رائحة التبغ والمسك، وعلى سحنته أمارات شبه وقار.. انتحى بي جانباً.. طاوعته وكأنه أبي جذبني من السبخة.. تأمل عيني كأنه يعرفني مذ زمن.. بادلته ذات النظرة.. تناول يدي: ( فيه كنز ديالك).. وتناول يدي الأخرى دافنها بين راحتيه.. مازالت عيوننا متلاقية.. سحابتان تتراودان على وشك العناق.. يارب.. يارب.. وأمرني بترك الرب والتزام الهدوء والصمت.. أغمض أكثر.. أكثر ما تتذكر والو.. أي حد بجاه الصالحين.. حتى معشوقتك قدرية انساها دابا.
عشقان 04-04-2006, 11:00 PM لا أدري كيف طاوعته في فعل الإغماض.. لا أجد تفسيراً ألبته.. أربكني بذكر قدرية في لحظة حرجة، كنت مانحه روحي آنذاك.. كيف أقتنص اسمها من خبيئات السحاب. شبّاح سابر هذا العجوز!.. بعد حوالي دقيقتين من تداعياتي استشُعرت شعرة تحاول التسلل من بين أهدابي.. تتطاول.. توخز خالي وبؤبؤي وتفر سريعاً من نقيع الدموع.. تنقر بياض عيني وتفر.. تحاول إزاحة الانسدال.. غير أنَّ سواتر اللحم ثقيلة.. جاهدت وعجزت. أغرورقت عيناي.. وكان لزاماً أنْ افتحهما للنور.. للهواء.. لا شئ غير صخب الساحة وبشر ليس بينهم العجوز.. ازداد وخز الشعرة. شعرت أنها ترويني برحيق الانتباه.. فركت عيني ومسحتهما بكُمِ معطفي.. جددت النظر حولي.. لم أجد العجوز ولا حقيبتي. أعدت النظر في الأرجاء.. غير موجود.. كأنَّ المُداسه قد ابتلعته.. أو امتصته السماء.. جلت متفرساً في الوجوه محيطتي.. ربما يكون العجوز يمزح، أو برنامج (كاميرا خفيّة) وإذ طال انتظاري.. يئست.. وابتسمت متقبلاً الفاجعة بروح رياضية.. تلك الإسفنجة التي غرسها في وجودي ذلك المدرب الكروي (خميس الفلاح).. المصيبة الأنكى أنَّ الخاتم الأثري المزين إصبعي هرب دونما شعور به.. وتعالى ضجيج داخلي.. ضاع خاتم أجدادك.. فرطت في بكارة التاريخ، صفقت كفاً على كف.. والآن ها قد صرت أضحوكة جامع الفنا.. لا مال.. لا متاع.. حتى حبيبتك لن ترى صورتها.. لن تستحضرها على لمعان خاتمك الطاهر.. كانت الشمس قد غربت.. وارتفع آذان صلاة المغرب. المسامع تشنّفت.. حتى أسماع النصارى واليهود والبوذيين والملاحدة أرهفت.. ما عدت أرى السحاب. وقمم الثلج تحولت إلى تهويمات عاتمة.. يدثرها سحاب غامق. لا أثر لقدريّة فيها.. دخلت المسجد وحذائي في يدي. وجوربي مدكوك فيه.. أثناء الصلاة. كان الإمام ذو البرنوص يتلو:
(ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر.......)
وكانت عيناي تذرفان في صمت أخرس.
تعودت مثل هذه المواقف. كلما كُشِفت لي طريقة فاجأتني أخرى. تمَّ خداعي في حواضر اسطمبول والقاهرة وبانكوك.. وغيرها من بقاع الابتئاس.. كنت أسؤّغ هذه الأمور.. وطالما التمست لهم الأعذار في ثوابت الفاقة والبؤس، لكن الغريب كيف لا اشعر بخروج الخاتم الضيق من إصبعي الوارم من البرد؟، كيف تسيطر حاسة النظر على الجسد لتبلد حاسة اللمس؟.. النظر معنوي.. اللمس مادي.. رضخت للأمر وصبرت.. من قال لي انحن.. استحق ما حدث واكثر.. مزّقت ذاتي طعناً ركلتها ببوز حذائي المدبب حتى ما عدت أحسها داخلي.. الظلام يخيم على الساحة.. والحلقات شرّعت في تجميع حاجياتها وتعبئتها في صناديق وصرر ومقاطف. أطفأت الكوانين.. ومُنحت الطبول إجازة صمت.
انفض السوق ومرتادوه عادوا إلى قبور نومهم.. المسجد أقفل أبوابه بعد السلام عليكم مباشرة.. حتى المعوذتين وآية الكرسي خرجت بها الأفواه الداعية إلى الهواء الطلق.. كان لزاماً قفل المسجد عقب كل صلاة!.
قبل شهور حدث انفجار في مرفق سياحي.. أُتهمت الجماعات الإسلامية بتنفيذه وتمّ اعتقال الكثير من الوعاظ والطلاب.. أوقفت الدروس الدينية وروقبت التجمعات وما عاد يسمح لأي عابر سبيل بالمبيت في بيت الله. الذي صيرته الشرطة بيت الحكومة المقفل.. عربات الطعام أخذت مكان حلقات الاسترزاق.. قدورها يتصاعد منها البخار.. كراسيها الصغيرة صففت حول الطاولات القصيرة بعناية وذوق.. وطلبت لحم رأس وقدح حريرة.. أشعر بالخواء.. أينكِ حقيبتي؟ ماذا فعل عجوز النحس بك؟.. هل نكّتك وهتّك بسائط أسراري؟.
في الجيب العلوي قصاصة جريدة تحتوي قصيدة عنوانها (فلامنجو)، احتفظت بها إذ اشتريت قرش حشيش ملفوفاً فيها.. قصاصة ضئيلة هرّاها الكمش وسواح الدهن على ظهرها.. كانت القصيدة مبتورة لشاعرة مجهولة، البتر بدأ بعد العنوان وكلمة بقلم الشاعرة..
هل الشاعرة كقصيدتها؟!
ما أعذب أن تحب قصيدة ما ألذُّ أنُ تحب شاعرة تلظّيك ببركان نرجسيتها عجوز النحس سمّاها قدريّة فهل أصدّقه؟!
كنت بادئ الأمر ألتقيها في الحلم ولا أهتم، لكن الحلم تكرر، ألحت كل ليلة بالحضور.. صارت هاجسي.. تقتحمني حتى في غفوات النهار.. حضورها انتقش على جدران ذاكرتي.. أراها في السحاب وفي السراب.. أكاد ألامسها.. أمدد ذراعي أضيعها أشغّل خيالي من جديد ملحاً عليه باجترارها وخاصة في شعور الوحدة الباردة عند الفجر.
آهٍ وألف آهٍ.. كم أكره الميلاد كي أظلّ.
مضيّع لقصيدتين. مكتوبة في قصاصة ومنقوشة في ذاكرة المنام.. لم تفعل بي خيراً يا عجوز.. خذ كل شئ. ملابسي.. مالي.. دموعي.. وأعد لي القصاصة والخاتم الأثري.. ليتني أعرف اسم المطبوعة لاستخرجها كاملة من المحفوظات.. لا فائدة من الاسترخاء.. وقفت أتمشى في الحواري والأزقة المحيطة ذرعتها مرات.. الأسواق الملاصقة للساحة دخلتها بالمحل.. الشوارع تخلو من المارة تدريجياً.. وجدتني في حديقة شبه مظلمة.
عشقان 04-04-2006, 11:02 PM عمود نور يتيم مضاء في الركن.. الغبار يكسو زجاج فانوسه.. جو الحديقة ينذر برائحة خوف.. عشاق يتوارون خلف الشجيرات.. شواذ.. حوّامون باحثون عن طرائد.. سادستي تعمل.. ابتعدت سريعاً صوب شارع مأهول... شارع مبروكة.. مبروكة.. الشارع مرصوف جيداً. محلات تجارية على الجانبين.. دار خيالة مبروكة.. بائع دراجات.. مطاعم فخمة وعادية.. أمام إحدى المحلات تسمّرت.. كانت فتاه شابة تجلس على الدرجة الخامسة لعتبة المحل.. واجهته تعرض أزياء أنيقة يحيطها ضوء ملون خافت.. حقيبتها مركونة جانبها يبدو أنها عابرة سبيل.. ملامحها تفصح عن يعربيتها. سروال جينز يعصر ساقيها الممتلئتين.. كنزة صوف تأنقت في نحت بروز النهدين.. شعرها منسدل على كتفيها دونما انتظام.. عيناها.. آه.. آه.. تأملت.. فبوابتي المفضلة للولوج أسدلتهما وردّت بنفث تبغ كثيف غبّش رؤيتي.. لا أدري أذلك استهجان أم تحبب؟!.. كنت مسطولاً ومخموراً قليلاً.. اقتربت متفحصاً.. لا شئ على جبينها غير قطرات عرق لامعة.. العرق مرآة طازجة.. أطلقت تفحصي ومبادلة النظر في وجهها المضبب بنفثات التبغ.. أضواء النيون تتخلل الدخان المبتعد.. وفجأة قفزت لمحتها.. اجل لمحتها.. شعرة تغتسل داخل مسبح القطيرات.. اطمأننت وبادرتها ببسمة.. لن أترك الشعرة تنحدر إلى آبار الدموع.. سأخلق أفراحاً، بهجة.. سأحاول.. ابتسمت لها.. فبادلتني ذات الابتسامة.. وأوسع..
- تعبان أخي.. عيّان..
- تعبان.. منهك.. محبط.
- استرح قليلاً.. لا أحد خلوٍ من الهم.
وانزاحت قليلاً رغم أنَّ الدرجة طويلة.. جلست مكانها بالضبط فشكرتني مؤخرتي الباردة على الدفء.. ومدّت لي بقية رغيفها وبرتقالة.. لكنني طلبت سيجارة أولاً. ثم أكلت.. وصرنا نحكي.. قبل أنْ أتباثت معها كنت في حالة رزيئة.. ابحث عن قشة تقصم ظهر بؤسي. قشة أتمسك بها.. روح أخاطبها.. والآن وقد خاطبتني قصيدة حيّة.. ومن يدر ربما تكون هي مفقودتي الضائعة.. فتاة حلوة بعينين ذات معنى، وشفتين شهيتين شعرت بالسعادة تغمرني.. تدغدغني. وسعت ابتسامتي. كادت تمزّق أنسجة أساريري.. آه لقد تمزقت من الداخل ودقات قلبي رتقتها.
قفزت طرباً.. السكون لا يسعني والكون ضيق ليحتويني.. حاولت الزغردة.. عجزت.. قهقهت.. والتبغ المنفوث أجهض قهقهتي فسعلت مراراً.. ثم عطست عطسة ناثرة.. سكبنا ما لدينا بسرعة.. قلقان.. محبطان.. وحيدان.. حدث لنا مطبان.. غريبان.. مبللان بالأسى.. إذن مثلي.. لا تأكل نفسك لها مدبر حكيم.
- معطفي مبلل.. والليل.
- أنا أيضاً حازتني الأمطار فتبللت.
- الأمطار تحوز من لا مظلة له.
- مظلتي مثقوبة.. مثقوبة!
- أينها أُرتقها؟ سلكي طويل وإبرتي بصيرة..
- لا تشغل بالك.. لم أعد أهتم بالثقوب!
ألفنا بعضنا. كتفانا ملتصقتان.. ناولتني يدها الدافئة.. ناولتها يدي الباردة. تراححنا.. ومع التصاق الراحتين شبكنا أصابعنا.. لا رائحة عطر تنبعث.. رائحة شبابها فقط.. رائحة عادية مستساغة.. كهواء التنفس.. من لكنتينا تعرف كلانا على بلد الأخر.. فاكهتني بمُلحةٍ عُمانية وفاكهتها بليبية.. ضحكنا ملأنا ورمينا بعقبي السيجارتين إلى وسط الطريق.. كلانا يعشق طرق الحديد الساخن.. ولحس الآيس كريم قبل أنْ يذوب.. تقارب.. تقارب.. كأننا قنينة وجدت غطاءها بعد طول عُري.. أحاطت خصري بذراعها هارشة جنبي بلطف.. نزلنا إلى الدرجة الرابعة. الثالثة.. الأُولى.. كدنا نرتمي على الرصيف واجهتها واقفاً.. انفض يدي من سخام الإسفلت.. ملامحها مدهوشة. وفمها مشدوه. أما لسانها فيتراقص كذيل برص مقطوع.
- ما بك؟ أحدث مكروه؟ أتشعر بألم؟
- سأكسر القنينة وأنتِ أرمي غطاءها في المكب.
- لم أفهم قصدك !
عدنا إلى الجلوس مكاننا.. نثرثر ونثرثر.
تجاوزت الساعة منتصف الليل ومازلنا نتبادل نفث السجائر وتجرع كؤوس الخمر الرخيص.. نقبنا الكثير من بذور البطيخ.. انتهى هبوطنا واجتمعنا معاً على الدرجة الأولى من مصطبة المحل.. أقدامنا تلامس الطريق مباشرة.. وفجأة ندّت عنها صرخة.. فأر صغير مرق بين قدمينا.. تعانقنا ضاحكين وعيوننا تتابع اختفاءه خلف مزراب المحل.
الحركة هادئة.. الليل يهرول إلى مضمار الفجر. الشرطة تحوم تجمع الإتاوات من القوَّادين والمروجين وجبناء السابلة ولاّج مراكش من البادية.. تقايضهم بصكوك مصدّقة لغض الطرف.
آنَ وقت الابتعاد. نهلنا من دفق السعادة كفايتنا.. أرهقتنا القبلات المختلسة.. ذات مذاق التبغ والخمر.. اللذة المقطوعة أشد وجعاً من حرقان الفلفل.. عرفت أنها مسقطية من عُمان. فرّت من عشيرتها بعد أنْ اغتصبها ضابط أمريكي.. حدث ذلك منذ سنين وهي ترافق أمها المريضة نزيلة المستشفى العسكري.. كانت أمها تعاني انهياراً عصبياً أدى لسقوطها على رأسها أثر وصول نعي زوجها المزجوج به في مواجهة جبلية.. لم تحكي عن تفاصيل الاغتصاب.. كل ما قالته أنه حدث في غرفة المناوبة على سرير الفحص.. كانت تريد إحضار مهدئ لأمها المتأوهة.. فاستنشقت رائحة طبية وغابت.. شهر وانقطعت الدورة الشهرية.. شهران وبدأ الوحم... أربعة وبرز الحمل صار يستنزف دموعها ودمها وأعصابها.. كل برزة تمتص نتوؤها من رحيق طراوتها.. ما عاد هناك جدوى من الإخفاء.. كشفت المستور. وتقدمت بشكوى للمحكمة الشرعية.. فالكتابي يجوز له الزواج بمسلمة.. لكن الضابط أنكر.. أنكر، ثم أعترف بعد مشاورته مع المحامين.. ثمَّ دسَّ محضر في سجلات المستشفى بتاريخ رجعي.. فتاة وجدت في حجرة ضابط.. قلب القضية برمتها لمصلحته.. طالب بتعويض كبير.. معتبراً نفسه مجنياً عليه.. وبمساعدة عدّة أطراف وتقرير طبي يثبت أنه عنين.. صدر الحكم لصالحه.. واستأنفت دونما فائدة.. والضابط يلح ويطالب بتطبيق القانون وإعادة الاعتبار لشرفه العسكري.. وكي يتنازل عن القضية ولا يتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخليج. اشترط تعويضاً مادياً باذخاً.
كانت السفارة تسانده بجيش من محاميها المتمرسين. والسلطات المحلية تضغط على الفتاة وأسرتها وعشيرتها لتنفيذ الحكم ولو بجمع المبلغ من صدقات الجوامع وأموال الزكاة وريع الحمامات العامة.. لا مناص من الفرار.. الفرار.. الفرار ولا دفع ثمن اغتصابي.. تظاهرت بالسفر لغسل دموعها وذنوبها.. ومن العمرة ذات الحجارة السوداء إلى الدار البيضاء.. من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب القريب.. درست الفرنسية في إحدى معاهد كازابلانكا.. أُمها تمولها بجزء من معاش المرحوم. وإن حدثت طارئة فتبيع القليل من حليها الموروثة.. التقت نظراتنا.. ابتسمنا تلفت يميناً ويساراً. أوقفت السريد الداخلي وسألتها بحركة يدي.
- عما تبحث
- عن حبيبة أسميها.
- عن حبيب أُسميه
- قدريّة
- محمد
- الأوراق الرسمية
- لو أظهرناها سيقبض علينا.
- مزقيها.
- مزقتها مذ ولدت الجنين.. هربت بجواز سفر مزور.
- أنا أيضاً أوراقي الأصلية محجوزة في منفذ ما والمزورة سرقت.
- لا تشي بي
- صوابعي أربعة.. أربعة فقط وقصيرة.
- أول مرة أطمئن للحظ.
- أول مرة أشعر باقترابها..
أينك أيتها القصاصة.. أود استنشاقك الآن.. أود مقارنة رائحتك برائحتها العالقة في روحي.. شئ ما حدث.. وشيجة دافئة صهرتنا.. خمس درجات مُداسة دفأناها بأوراكنا.. بالنسبة لي عاجز عن الصراخ.. فراقها لن يحدث إلاّ على جثتي.
ابتسمت لها.. قد أجد قصيدتي.. أبعدَ هذه القبلات لم تجدها؟.. مبتورة خائفة.. لذيذة.. لذيذة ستتصل.. ستمتزج.. صحيح.. صحيح.. قد أجد قصيدتي.. أبعد كل هذا الشعور لم تجدها؟!.. إنها قصيرة نثرية.. لا تلجمها أو تحكمها أي قيود.. عبث متطرف من كلم مصهور..
- وما يحكمها إذن؟
- ستعرفين.
- ليت الآن.
كنت سأجيبها بقبلة لولا أنَّ مروّج صغير يلاحقه شرطيان جرى من أمامنا واختفى في زقاق قريب.
وقفنا.. مططنا جسدينا وانحدرنا مع شارع مبروكة صوب محطة باب دوكالة.. في الطريق صادفتني قطعة كرتون مستطيلة، فجررتها معي..!
دخلنا المحطة.. كرسي وحيد شاغر نامت عليه قدريّة.. فرشت بجانبها قطعة الكرتون وكان البلاط بارداً وانكمشت في وضع جنيني ونعست وحلمت بأمي.. وما قبل أمي. وبفعل ما تعاطيت من مكيفات.. شعرت بالدوار. دوار عنيف غيّب إحساسي المادي.. الدوار مدفأة الأحاسيس بجانبي قدريّة ممتدة على الكرسي.. روحي هانئة حاضرة.. قلبي ينبض بانتظام.. أنفاسي.. أحلامي رحلت في نوم عميق.
قبيل الفجر هُزم التدافئ.. صرت أرتعد.. أسناني تصطك.. أسعل.. تفطنت قدريّة.. وسّدتني حقيبتها ودثرتني بمعطفها النبيذي.. استنشقت أنفاسها الماضية الحانية المتخلفة في نساجة المعطف.. غمرتني الألفة والدفء الحميم.. سرعان ما غرقت مجدداً.. وغزاني حلمٌ لذيذ.. استرجع عمر ذكرياتي معها.. قبلاتها المختلسة. خربشاتها لراحتي. نتفها لشعر ساعدي.. تطويقها.. هصرها لخصري.. وصولنا إلى الدرجة الأولى.. إلى مرفأ الرصيف.. لم استطع إكباح اهتياجي تبللت..!
بدأت حركة المسافرين تصخب. أبواق الحافلات القادمة والمغادرة.. المحركات القديمة يرتفع ضجيجها. وارتعاشاتها تتقاوى وتخمد.. ودخانها يزعج مناخير الصباح.. استيقظنا وتناوبنا على دخول دورة المياه..
أغادير العيون.. ورزازات.. الرباط.. البيضاء..
مكناس.. فاس.. طنجة الناظور..
قلعة، قلعة.. بني ملال..
سرعان ما اكتظت المحطة بالخلق.. مسافرون.. متسكعون.. باعة.. متسولون.. فلاحات بجلابيات فاقعة الألوان.. فطّاروا جوالة ينادون على البيض الساخن وخبز الشعير والكعك المزدان بالجلجلان.. حمالون يدفعون عربات ملأى بالحقائب وآخرون ينؤن بغرائر ضخمة على ظهورهم.
ليس لنا في العير ولا في النفير.. نحن بيّاتة فقط.. غادرنا صوب ساحة جامع الفنا.. والحديث بيننا استيقظ واغتسل وانتعش والابتسام يغزو فمينا الجائعين.. طفل يحاذينا.. رمى قشور بيضة على الأرض.. البيضة في يده يتصاعد منها البخار.. حشاها في الرغيف وسحقها داخله بضغط راحتيه على ضلفتيه.
كيف سنبدأ يومنا؟ لماذا الليل قصير هكذا؟ لا فجر يصاب بالنعاس. أنت شاعرة.. ربما.. لماذا الليل قصير؟.. والفجر لا يتذوق لذّة الكسل البتة.. الشعراء لا يسألون هكذا أسئلة. لكن الشاعرات لحوحات.. كلما وددت البحث عن إجابة لعصيّة ما أرفعها.. رغم أنَّ المُداس خير مجيب.. ابتسمت لها.. تحب ابتسامتي أُحسها.. وإذ كنا جلوساً على الدرجة الأولى.. وأقدامنا تدق الطريق.. حتى همست لي: قابلني بوجهك.. ابعدْ السهوم.. دعني أشبعْ من انشراحك.. لم تجبني.. شرودك لن يعفيك من ملحّتي.. اقترب من بحار الأجوبة. غريق سؤال مخنوق بنيران الجواب.. الحقيقة بحر.. صخر.. أجب لماذا الليل قصير، قصير.. قزم؟! كم معك من نقود؟.. لم تعر سؤالي اهتماما.. كم معك من نقود؟
- أجب دون مداورة.
- عشرة دراهم.
- معي عشرون.. لا بد من الواُد!.
وصلنا.. وصلنا الكتبية.. الحديث يطوي المراحل.. كانت تتأمل مسدّة الصرح. تهزهز رأسها وتبتسم..
- وصلت.. فهمت يا صعلوكي..
- سأهب العشرة الزائدة لأي كان.
- أنا أي كان.
- أنتِ!
- سأمضغ بها علكة.. فمي مدمن على اللوك.
- اللوك فقط!
- ماذا تقصد؟
- تفضليّ العشرة أيتها الأتان الحرون.
- وقح بذئ على الصبح.
- لم تبتعدي!
عشقان 04-04-2006, 11:04 PM في الطريق إلى ساحة جامع الفنا ثمة حديقة أشجارها هرمة لكنها ظليلة.. غير متكسرة الغصون مسوّرة بالطوب.. لها عدّة مداخل، تنتشر تحت أشجارها مقاعد قديمة أحواضها معشبة.. ورود صفراء وبيضاء وحمراء، تتخلل العشب بعشوائية وترتقي بيناعة سلم الفضاء.. جلسنا على مقعد نغيّر ريقنا الصباحي بكوبي آتاي وكعكتين. أيتها الطعوم الداخلة احتملي ريق قاضميك..
- ما العمل؟
- لا أدري..
- ألا تعرفي بستاناً للزهور؟
- لا أعرف.. في حياتي لم اشترِ زهوراً.
- كيف؟ ألا تشترون الزهور في عُمان؟
واحترق حطب ذاكرتها فعادت بها مطايا الدخان إلى هناك.. تجبرها.. وتشرخ في قديم آلامها.. ترفعها جبال عُمان إلى قممها الباردة.. تخبئها من فلول الخيبات في الفلوج المنُعشة.. الورد البري الفائح اليانع.. الجالب العافية للأرواح. عرفتني بفصائل كثيرة عرفت أسماءها.. أسماء شعبية مألوفة للأذن.. وإذ بي أكتشف التماهي بين جبال عُمان وجبال ليبيا.. الجبل الأخضر كالإخضرار حاضرٍ في القطرين.. أبطال ليبيون قاوموا الطليان الفاشست وطردوه بعيداً عن رياض الطهارة.. أبطال عمانيون بذلوا مداد دمائهم ضد غارات البيض المتنافسين على التهام كعكة الشرق.. جهاد.. بازين.. زميتة.. لؤلؤ.. ياقوت.. حلوة الزعفران.. مرجان.. قطران.. سندباد عماني.. وضحكنا كثيراً إذ نابزتها بـ(سندبادة عُمان).. وكلام يأتي وآخر يتوارى في استحياء.. حتى ارتطمت بمشارف جدار تلك الليلة.. ليلة الاغتصاب.. تلك.. تلك.. انقطعي يا سبابة الذاكرة العاهرة.. بدأ حديثنا عن الجبال وانتهى في الجبال.. الأشجار الكثيفة داخل الحديقة تحجب هامات اليباس، حيث الشمس تمارس مألوفها الصباحي في الاغتسال من جنابة الظلام.. الشمس تكد نفسها والعفن ترسله على هيئة أشعة.. أحياناً تستفيد الأسافل من براز الأعالي.. ماذا لو ركبنا فوق الشمس.. نحترق ولا نفعلها.. اتخذنا القرار كدفء شمس قرر المكوث حيث وصل.. كنا في حاجة إلى ملاذ.. وأي ملاذ.. ملاذ نحسه ولا نراه.. لماذا لا ينعكس دفء الشمس إذا اعترضته مرآة، هل لأنه تحرر من مطية الشعاع؟!
نريد ملاذ يذوّبنا دونما لهيث.
اكترينا مركوباً أوصلنا مع آخرين إلى عتبة الجبل.. صعدنا كهاربين من مشدّ.. بعد أمتار سألتها: - ألا يتعبك تسلق الجبال؟!
ابتسمت: يتعبني تسلق رقبتك بلساني..
- أنت أتان كسيحة.
- أنت تيس أبكم.
- تعشقين صنّتي
- اعشق بلبلتك.
- متيم برفساتك
رفع الضحك حرارتنا ونشاطنا.. أجذبها لأعلى.. أدفعها أمامي كسيارة تشرّكت في وحل.. تعاكسني فاصفع وركها المكتنز.. تشتهي المزيد وتعايب عليّ بلسانها الوردي.
- أنت شاعرة
- أدخل في الموضوع أرحني من وحم الذكور.
- كيف الأزهار في عُمان؟!
- في جبال عمان زهور جميلة، يبتسم النحل إذ يلثمها، والفراشات لا تمل رقصاً حولها.
- صفي لي ابتسامة النحلة.. والزهرة.
- ليس الآن.. عندما نجلس والأزهار ثالثتنا!
- وهل للأزهار شياطين؟
- لا اعتقد ولكان ما نفثت.
- قدريّة.
- نعم يا روحي.
- كيف الأزهار في عُمان؟
- حكيت وأطنبت حتى صرخ الجاحظ والجرجاني.
- أسألك عن الزهور البشرية!، أزهار الحربي والمطروشي والبوسعيدي..
-يآه منك.. من أين وقعت عليَّ بس!
وانقضت عليَّ تعض كتفي. فولولتُ وهرولتُ مبتعداً.. تحسست كتفي بأطراف أصابعي لأجدها قد تضرجت بدم خفيف ممزوج بلعاب دبق.. أتألم من حرقان عضتها واتبعها وهي تبحث عن مجلس أو متكئ لنا.. فرشت شال أمها المورد على العشب.. أفضّل افتراش العشب مباشرة وفي نفس الوقت طقوس المرأة أقدسها.. الشال قصير لكن لا بأس لم نأت هنا لنمدد أرجلنا.. بل لنرفعها إلى السماء الطويلة!
اقتسمنا البرتقالة ورغيف الخبز المحشو بالجبن والزيتون.. ثم تجرعنا الماء وتضاجعنا سريعاً.. حفيف الأشجار.. زقزقة العصافير.. أصوات بعيدة لقطيع ضأن وماعز تؤنسنا.. آلام عضتها ذابت في اختلاجات اللذاذة.. مسحت آثار أسنانها بلسانها.. مضاجعة دافئة أذابت جسدينا وروحينا كرخاوة سكر في بركان مرارة.
دفنا الكوندوم تحت الشجرة.. لم نعرف رأسه من رجليه. شهّدنا القبر بورقة شجرة في المنتصف.. ثم تيممنا على نتوء صخرة صقيلة واستغفرنا بعمق ورجاء.. الصخور الناتئة مآذن الأرض والجبال قبابها.. والصحراء مفروشة ببساط لاظئ. والبحر متأبد في المماوجة.. تحته رمال تغتسل وتحرس ما يودع فيها الأنبياء والطغاة.. تحتها أشياء غارقة في ظلام دميس.. النتوءات تغير اتجاه الرياح. تولّدها ترنيماتها البالية.
صامتة دامعةٍ عيوننا.. عيناها تذرف.. ربما اجترّت مشهد جرحها مجدداً. شاركتها الذرف.. لا أدري أتعاطفاً؟ أم لكوني اغتصبتها أنا أيضاً؟.. لا أعتقد.. لا أتساوى مع اليانكي.. نحن عرب زيتـنا في دقيقنا.. رائحتنا واحدة.. لم اغتصبها.. لم تقاوم حتى بالكذب.. ناضحة على البخار.. هي من أحاطت ذراعها حول خصري.. فما كان مني إلاّ أنْ تلمست نهدها فردّت بتقريب شفتيها اللاذعتين من فمي.. ظامئ وظامئ.. امتصصت لذاعة القرنفل، فانحدرت بهما إلى كتفي حيث أوسام عضتها.. لتدلق شبق لعابها لعنة على الجرح المجنون الحارق.
عشقان 04-04-2006, 11:04 PM لا أدري من منا الذي أطاح بالآخر؟!
لم نتعرَّ كفاية.. تضاجعنا خلسة كقبلاتنا في شارع مبروكة.. كنا خائفين من حرس الغابات.. نحن أجانب رغم عروبتنا.. قد توجه لنا تهمة التخطيط لتوسيع مضيق جبل طارق، أو التفكير باستعادته مع سبتة ومليلة.. قد يظنوننا من القاعدة ويعتقلوننا في (غوانتانامو).. مسحنا دموع بعضنا بقبلة لاحسة.. لذيذة كرشفة متبقية من سكرة البارحة.. الزهور.. روعة.. جمال.. شعرنا بإثم ونحن نقتطفها.. البرد شديد.. وجمال الزهور يدفئنا.. والحرارة المولودة من جماع العجالة مازالت منها بقية باقية.. الفراشات تطوّف حولنا.. تحتفي بوجودنا.. ربما تقذف نفسها على لهيب توهجنا. النحل يطن والنمل يرمم ضاحيته.. ومن قبر النسل ذبابة متوحشة تحوم.. لا أدري من أين يطل هذا المزعج.. أجده بجانبي قبل الشروع في التبرز.. هششت ذبابة الخراء بعيداً عن القبر.. لعنتها في سر سرَّي.. أصلحي خلايا شمك أيتها اللعينة.. هذا ماء حياة.. رائحته كالتابير كالطلع.. قدرية تقهقه حتى تدمع وأنا ألعن ومستمر.. قطفنا تشكيلة جميلة.. شكلناها باقات جذّابة قبل تحميل الحزم على ظهرينا تعانقنا وقفلنا هابطين المسرب المتعرج.. طلب السائق أجرة إضافية على أحمال الزهور عاتبته قدريّة فتغاضى.. المغاربة جُبار خواطر.. طيبون عاطفيون يقتسمون معك قوت يومهم.. لمست ذلك وأنا في طريقي إلى قلعة (السراغنة) إذ اقتسم معي شريكي في مقعد الحافلة سماعتي مذياعه.. كانت الأغنية التي تصدح لفرقة جيل جلاله: الله يا مولاي.
وصلنا ساحة جامع الفنا عصراً.. زمن الذروة.. الازدحام في أوجه.. افعلي ما أقول لك.. أو قومي أنت بالبيع.. لا.. لا.. لم أُمارس البيع قط!.. وهل مارست الشراء!.. وضحكت صافعة صدري براحتها.
اتخذنا موطئاً قرب حلقة الثعابين.. صففنا الباقات جنب بعض على شكل قلب حب لم يخترقه سهم.. نظرت في عينيها مستمداّ بعض شجاعة ثم إلى السماء وناديت:
- يا بشر.. يا جنون.. يا إنس.. يا فقهاء.. أولياء.. ناس.. عالم.. يا هو.. وقدرية بجانبي تشد من أزري بهزة رأس مرحة وبطرقة منغمة على ظهر حقيبتها.
- يا سواح.. يا بشر.. إلىَّ هنا.. لدي الترياق.. الإكسير.. الدواء.. سأنسيكم جالينوس.. أبن سينا.. الأنطاكي.. باستور.. لدي زهور من زئبق السر.. تتأملها فتسخر من الحياة.. من الموت.. من كل شئ.. زهور آدمية.. تحسسك بآلام الغير.. تشعرك بحب الوجود.. زهور ضمّادة.. ضمّادة.. ضمّادة..
كانت تمتمات المترجمين تضج.. تزاحم وشوشات اللهجات المحلية.. وتحمست قدرية.. وأخذت تردد معي بلهجة خليجية ذات رنّةٍ حنون ولكنةٍ مؤثرة..: ضمّد قلبك يا مجروح.. ضمّد قلبك يا مجروح..
التف حولنا جمع من الناس كبر الحشد.. حتى ظننت أنَّ الوجود برمته مثخن بالجروح والحروق الغائرة.. المتقيحة.. أبهرتنا آلات التصوير.. تضخم الازدحام المحيط. المغاربة أيضاً أحاطونا.. ربما رأوا حداثة في الصنعة جديرة بالاهتمام.. حتى شيبة النحس السالب أمتعتي اتخذ له موقعاً متقدماً في الصفوف.. لم انقض عليه أجّلتُ ذلك فيما بعد.. السوّاح يجولون ببصرهم بين الورد ووجهينا.. أما الشعواذة وحُلاب الأتاوات فيتفرسون في وجهينا فقط.
سائحة فرنسية قطعت النداءات واقتحمت الحلقة متخطية جالسين في الدائرة الأمامية سألتني فلم أفهم وتدخلت قدريّة: تسأل عن الثمن ضحكت ورقصت.. ولففت حول السائحة سبعاً. الحقيقة أنني مسطول.. ففي طريق العودة دخّنت أخر لفافتين>
- قولي لها أنت أول سائحة تستفتح.. انتقى أي وردة مجاناً. شميها استنشقي أريجها بعمق.. ثم أخبري هذا القوم بشعورك.. إنْ لم تضمّد جراحك فسأحرق نفسي في كوم الورد هذا على طريقة الهندوس.
هزهزت الفرنسية رأسها لقدريّة وانتقت وردة صفيراء محمرة.. سلّتها من فؤاد الباقة ببطء.. استنشقتها ببطء.. انتشت ببطء مطلقة آهة حرّى وسط إغماضة عين شهوانية وغمزة مشاكسة.. ثم غرزت الوردة في شعرها الأشقر الطويل.
- آه ما أروعها.. ساحرة.. ساحرة.. أنا سعيدة الآن.. فراشة.. منطاد راقص.. أُحلق فوق برج إيفل. بيزا.. إفرست.. ورد ما أروعه.. إحساس ما ألذه.. لحظة كهذه تشتري بمال الدنيا.. بكل العمر.. حلوة مراكش.. أزهارك.. أناسك.. صعاليكك الظرفاء.. باعة أزهارك الودودين..
ولم تترجم لي قدريّة الجملة الأخيرة. ارتعشت شفتاها ووجنتاها احمرتا.. ومثلما يحدث في كل الأقطار العربية لعبت عقدة (الخواجة) لعبتها.. وتنافس المغاربة والسوّاح على اقتناء الزهور بعشرة دراهم للواحدة قال ورزازتي: وهل نفهم أكثر من الفرنسيس في الورد.. نفدت الأزهار وانفضت الحلقة.. وشيبة النحس جاءني يسعى هاشاً باشاً.. أعاد لي خاتم جدي الأثري بلل محيطه بريقه ومرّقه في إصبعي..
كفانا الله سرّك يا مبارك.. سامحني يا وليدي الحقيبة بعتها باش نطعم العيالات.. جرتني قدريّة بعيداً قبل انفلاتي بأي رد فعل.. إصبعي يرتعش داخل الخاتم الضيق. قشعريرة لاذعة تنتابني أُناجي السماء بما تبقى في ذاكرتي من أنفاس القصيدة الضائعة مع الحقيبة.. الزرقة التي خلقت ذات بحر/ هربت نحو السماء/ تتدلى الكروم لتصنع نبيذ الخلفاء/ الشارع المجنون في قرطبة/ يلهث خلف كلاب/ شهرت أنيابها في وجه القمر...
أتبع قدريّة في الزحام.. استرق النظر إلى قرص القمر الكاشط أمامه كثبان السحاب المحاولة أنْ تدثره عنوة.. نتف القصيدة تجوس في نفسي فأعصر ذاكرتي لتقطّر المزيد. لكن دون جدوى. انتهى بنا المطاف إلى مقهى (أركانة) المشرف على الساحة مباشرة.. طلبنا طعاماً أحضره النادل في أطباق مميزة.. أخبارنا سبقتنا.. هذا ما حدسناه من مبالغات الخدمة !.
- محمد.. أنا
- أعرف.. أعرف.. أحبك.. أحبك. تمجمجي أولاً.. دفئي جسدك أيتها البجعة المنتوفة.. الحب سنلحق عليه.
- الطعام طيب.. لذيذ.. بهاره أصلي غير مخلوط.
- صحيح
ومع كل لقمة أذكر قطفنا للورد ووخز الشوك لأصابعنا وصعودنا.. وهبوطنا إلى مرافئ الحضيض
- فقط.. فقط
- اعتقد فقط
- والقنبلة المنوية المقبورة في الجبل..
- أنت شيطان تود أنْ تقززني..
- شيطان يا قدريّة!
- لا تزعل.. ليس رجيماً
النظرات تلتهم بعض، ورشفات الآتاي الأخضر المنكّه بعشبة الشيبة، تضيف إلى دفء الجلسة مسحة ود.. تأملاتنا وتوارد خواطرنا ذابتا إلى حد التوحد والإشراق.
- بما تفكرين.
- الحطّابون يدفئون الأجساد ونحن ندفئ الأرواح.
- أنت شاعرة.
- الورد مدفأة معطرة.
- وتجيدين استخدام أدواتك.
- لا أجيد استخدام شئ. أشعر فأبوح.
- وهل شعرت أننا سنلتقي.
- وكيف أتيت إلى المغرب إذن؟! في أعماقنا أحاسيس ولغة عصية عن التفسّر.. لا يمكن فلسفتها.. أحياناً أشعر برغبة ملحة في الرحيل إلى مكان ما.. مستحيل وأد رغبتي تلك.. أجدني أصهل منقادة ناحية ذاك المصير. أعتقد أنَّ هذا الشعور هو التفسير المنطقي لعمليات الانتحار.
- أبعدي هذه الخواطر.. لا تفكري بالذهاب إلى الموت.
- إن كنت هناك سأذهب إليه كل ثانية. وسأنقل إليك أحمال البخور واللبان.
ضحكنا وأشعلنا سيجارتين جذبنا منهما ونفثنا.
- عُـبّي ما في كأسك.. سأسكب لك مجدداً.. الليلة باردة.. وهذا البرّاد باذخ الثمن.. طلبته من النادل بغمزة عين.. في المقهى قد ينتبه المخبرون للحشيش المدخن، لكن المذاب لا يُنتبه إليه إلاّ بتذوقه.
- ولماذا لم تنبهني.. لا أتعاطى عن طريق الشرب.. معدتي حساسة.
- لا تخش شيئاً.. نسبة قليلة.. ارشفي بسرعة يا مجنونة.
- اعشق الارتشاف البطيء..
- وأنا اعشق الموت السريع.
- سأبطئك.
- سأسرعك.
- سنرى الليلة.
- أي ليلة يا شقي.
- إذ ننام.
- في مراكش يمنع النوم في غرفة واحدة لغير المتزوجين.
- ولماذا بقية الملل تنام كما يحلو لها.
عشقان 04-04-2006, 11:05 PM - نحن عرب.. وجهانا يفصحان عن ذلك.
- شعري محنَّي مصفر.
- إنهم يشمّون رائحتنا.. مشيتنا.. نظراتنا.. قلقنا.
- اعجز عن النوم وحيدة بعد أن عرفتك.
- بعد أن تذوقتك!
- سأرشو مسؤول الفندق.
- لا ترش أحداً.. سأتسلل إليك.
بعيد الفجر عدت لغرفتي. لم يلحظن سوى عاملة النظافة والتي أخرستها بعشرة دراهم. فدعت لي دعاء، لم تدعه أمي لي يوم جلبت لها عريساً لا بأس به لأختي العانس.
احتسينا القهوة المعصورة باللبن وفطرنا جيداً.. تزودنا بالسجائر وبنتفة حشيش ممتازة الصنف.. ومن ثم شرعنا في العمل.. ألفنا الطريق.. لم تكتنفنا غربة تذكر.. حواجز الخوف والريبة نسفناها بالأمس.. الصعود إلى الجبل متعب للأجساد.. ممتع للأرواح.. سرنا نسند بعضنا.. تجاوزنا المنزلقات والمنعرجات.. الريح الباردة تصفع وجهينا.. وصلنا المكان. طرحنا شال الأم تحت شجرة جديدة وتضاجعنا على عجل، شجرة الأمس وجدناها مأهولة.. اسفل ساقها يعج بالنمل والنحل والذباب الضخم.. حشرات أخرى أجهل أسماءها تشارك في الوليمة.. ازدحام شديد كازدحام المزار الصوفي.
- هل تعرفين أسماء هذه الحشرات.
- ليس تخصصي.. تخصصي عض.
- آخ مازلت أحسّ الألم. أحسّه بلذة. خذي كتفي الأخرى.. أفصديها كأختها..
نهضنا.. امسح فمي من قبلتها.. وهي مستغرقة في نفض الشال من العوالق. تأملنا شجرة الأمس.. لقد تمَّ نبش الكوندوم، وجدنا قربه كثيراً من أكوام التراب المحبب قبب ترابية تبزغ من ثنايا العشب.. خيّل لنا أننا في قرية من قرى الهنود الحمر. الأكوام تشبه أكواخهم القشية.. ومن أين انبثق كل هذا الميلاد؟!
هل تم الإخصاب داخل الكوندوم، وكأنها أقرأتني!
- تقول الأسطورة أنَّ المطر مني الله!
- في بلادنا أكلة شعبية اسمها (بازين) دقيق شعير مطبوخ في ماء وملح، يكوّر على هيئة قبّة.. يُصيّر كنهد مختون الحلمة.. الرجال يجسّون حرارته ثم يقطعون منه بسيف أكفهم ويرفسونه مازجينه بالإيدام المخثور بالبطاطس.
- بازين.. بازين..؟
- أجل..!!
- أتشبه العصيدة؟
- أجل.
- لدينا مثلها يطهونها في الجبل.
توقفنا طويلاً أمام شجرة الأمس.. نراقب المستوطنة الجيدة ونتساءل.. هل ستبقى أم ستزول؟.. لم نستحسن الجلوس تحتها.
- هناك شجرة أخرى.
- أين؟
- هناك..
- هلم.
- ما أحلى كلمة هلم المنزلقة من بين شفتيك!.
فرشنا الشال وتضاجعنا.. لم ندفن هذه المرة الكوندوم علقته قدريّة في غصن مع كوندوم المضاجعة الأولى.
- لماذا تعلقينهما في غصن الشجرة؟.. أتخافين من مذبحة بين قرى الهنود الحمر؟!.. لا نوق هنا والكلأ وفير..
- لا أحب دفنك حياً
- أنتِ شاعرة حرون.
- ربما يكونا أفضل حظاً وتحملهما الجوارح إلى السماء ويمطران.. أجل سميطران.. أكيد.. ليس ربما..
- سأُجن من نفثك الشعري. جوارح تحمل وقود المطر..
جمعنا الأزهار. وبقـقناها وربطناها بالخيط.. ثم طفقنا عائدين من مسرب غير مسرب الأمس!.
في الغابات البكر تتشابك المسارب ولا تتقاطع.. وصلنا الساحة عصراً.. كان الزحام على أشده.. ووطيس الصياح صاخب مجنون.. الكل يقاتل بجيوش إقناعاته لانتزاع لقمة العيش.. البؤس يبرثن على الخير كأفّاق كورة أرضية.. اقتربنا من فرجة لدخول الساحة.. أقفلها في وجهينا ثلاثة رجال شداد طوال.. يرتدون الجلابيب المنكفئة البرانس.
تبعناهم إلى مقهى أركانه.. ومع أكواب الآتاي والدخان المفخخ.. تمت الصفقة، بعناهم الورد بست دريهمات للواحدة.. قبضنا وغادروا.
- غداً لن نصعد الجبل.
- هل تشعر بالتعب أم بالشبع؟
- صار للزهور سوقاً سوداء.
حدجتني بطرف عينها..
- غداً سنرحل عن ممالك الطوب. سنترك البهجة لتظل بهيجة فينا..
- أو نترك الثروة المتاحة السهلة؟
- الأزهار نبهتني.. تريد أنْ تبقى أزهاراً..
- وهل الأزهار تتكلم.
- أنا من أسألك يا قمر عُمان.
- كل المخلوقات تتكلم.. تقرأ.. تكتب.. ترسم.. تتسافد..
- وماذا تقول الأزهار؟
- أنا من أسألك يا حمودي.
- ليتني أعرف!
وتأملت خاتم جدي مخمناً غارقاً في تأمل عميق.. رغم ضجيج المقهى وتصفيق وصراخ الروّاد لهدف (عزيز بودربالة) المسجل في حلق المرمى البعيد.. بلمسة شاعرية.. عيناي تتمتعان بإعادة الهدف البطيئة وبصيرتي اغرورقت مآقيها بحنين الذكرى.
عشقان 04-04-2006, 11:07 PM ألقينا نظرة على باحة المحطة.. على كرسي البارحة ينام صبي متلفع بشال اصفر.. يبدو أنه من إقليم الصحراء.. أمه البدينة تفترش سجادة قديمة بجانبه.. منتصف الليل تماماً تحركت الحافلة.. الطريق إلى (طنجة) طويلة ومحفوفة بالمخاطر بسبب الدروب الضيقة والملتوية.. الحافلة كثيرة التوقف في المحطات ونقاط التفتيش.
السائق والمحصل يجيدان تصريف الأمور مع الحلابين بأنواعهم.
غزارة الأمطار ساهمت في خفض السرعة.. الظلام مضبب والبرد الشديد أجبر الركاب على الانكماش والصمت والتغطي بكل ما معهم من كساء.. على مشارف قلعة السراغنة غلب قدريّة النعاس. وفي بنى ملال غطّت في النوم..
الاهتزازات تدفع رأسها تدريجياً.. ما إن استقرّت على صدري حتى جاست أصابعي تعبث بخصلات شعرها.. كانت قد سألتني من قبل هل يروق لك تصفيف شعري لدى المزينة؟.. وكانت إجابتي بلا.. لا يروق لي ذلك.. أحب الأشياء على سجيتها بكر غير ذات نسق.. لا نسق إلا وله ناسق.. الذكريات تدك مخيلتي. فتنهدُّ قلاع النسيان. رمشها يرتعش.. ربما يحلم.. الذكريات تجذبني من ارتعاشات عينيها.. ترجع بي إلى (بنغازي).. شوارعها.. بحرها.. مطاعمها.. ملاعبها.. أوه بنغازي ليس في هذا البرد البريد.. ابتعدي.. لا احتاجك في أزمان الأُنس.. ابتعدت حزينة مخلفة وراءها نثرات من ملحها.. ضمّدت بها جراحي فتذكرتها.. أحس ألم عضتها.. بللت راحتي بعرق جبهتها.. لحستها في الظلام.. محمد إلى أين الرحيل.. الدروب مقفرة. والزاد على وشك النفاد.. وآه من زاد في أسر الزمن كيف سنفديه، وبما نتوسط إلى آلهة الدهر.. أي قربان إلهي يفي بالغرض.. في إحدى مسامراتي مع الشاعر (على الفزاني).. سألته: ما الزاد،! لم يجبنِ. وأخذ يطرق الطاولة بأطراف أصابعه.. ويتتبع في صمت دخان سيجارته المتصاعد.. عندما تلاشى الدخان رمش فنزت من حافتي عينيه قطيرات ندية.. رفع نظارته مسح عدستها لا أذكر بمنديل أو بكمه.. وعاد إلى قراءة (الجريمة والعقاب) وعندما سألته ما الزمن أطلق زفرة وآهة..
دخلنا طنجة قبيل ظهر اليوم التالي.. كنا في غاية الإرهاق.. خرجنا من المحطة نتمشى.. نفكك عضلاتنا المكتوفة من طول الجلوس.. نستكشف المكان الجديد، العيون ترى والأرجل تجوس.. والذاكرة تلتهم ما تحس. في إحدى الأزقة تأوهت قدريّة.. وضعت راحتها اسفل سرتها.. صارت تتوجع وأساريرها تنقبض بشدة حتى إنها لم تتمالك نفسها.. فتأوهت أمام الناس بصوت مسموع.
- محمد.. محمد.. آه
- ما بك يا قدريّة.. أسعفك للمستشفى.
- لا.. لا..
ازداد ألمها وارتفعت آهاتها. فأجلستها على عتبة محل مقفل.
- لا يمكن تركك تتألمين. سأوقف سيارة أُجرة.. تاكسي.. تاكسي.
- أصرفه.. أصرفه.. لا تقلق بشأني.
وبابتسامه ممزوجة بالألم الماكر :
- الوادي الأحمر.. احتاج لقطن طبي فقط.
- ابتسمنا..
- هكذا إذن.. متى نوفر ثمن الكوندوم وأريحك من الانهمارات الحمراء عشر سنوات متتالية.
كشرت حتى بانت لثتها :
- اسكت.. طفل واحد فقط.
- ومعه أخت.
- لك ذلك إن ولدته يشبهك!
مدينة طنجة جبلية جميلة. ملامح قاطنيها مشكّلة.. رومانية.. أسبانية.. ريفية.. عربية.. وبضعة أقليات أخرى.. الأسبانية والفرنسية تمتزجان مع العربية المكسرة والريفية بلهجاتها الكثر.
منها انطلق (ابن بطوطة) حاجاً إلى مكة، ثم بدأ رحلته الشهيرة.. الشام.. العراق.. فارس.. آسيا الصغرى.. جنوب روسيا وأفغانستان.. ليطرق بجرأةٍ جديّة بوابة الصين في أقصى الشرق.. ثم يقفل راجعاً إليها ليعبر مضيق جده طارق إلى غرناطة.. ومن ثم يعود مرة أخرى شاداً الرحال إلى السودان ومالي وتمبكتو.. مقدماً للإنسانية خلاصة تجاربه لؤلؤته القيمة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار).. الحمّالون يجوبون ببرادعهم وعرباتهم.. البضائع المهربة تفترش الأرصفة.. المساومون يجادلون والباعة يروجون لبضائعهم بإطلاق الأيمان الغليظة.. والبسمات المرسولة جيداً على مطايا الحجج.
تركنا السوق وانحدرنا صوب البحر. نراقب متسلّي الصيد بصناراتهم.. بائع كعك سفرته فوق رأسه ينادي على الكعك بكلمات ريفية ملحونة.. تأملنا البحر.. ليس أزرق تماما، تلبّدُ الجو عكّر ازرقاقه.. النوارس تغوص وراء ما يرميه المنظفون.. البحر مرآة السماء.. السماء عروس باكية.. تكفهر.. تبتسم.. مرآتها السفلية تموج وإذ تفشل في الصعود جميعها.. تركل الصخور بحفنة ملح ذائبة.. وتؤوب إلى الوراء.. الوراء.. ثم تنطح مجدداً..
قرون الموج أفقية.. أفقية.. بينما قرون الموت عمودية كشاهدة قبر..
نزعت خاتمي وأنا أترنم بـ(لو نعد موج البحر بالوقية.. نلقاهن شوية.. لوجيت نحسب حب لوبانتي قدريّة).
- ويش.. ويش.. غناء ليبي عاود
ألبسته بنصرها.. ليس واسعاً أو ضيقاً.. نفس المقاس الأصابع تتساوى عندما لا تشي.. !
قدريّة تحاول التلاؤم مع اللحن والأغنية.. تنضبط في بعض المقاطع وتنفلت في آخر.. كانت الأغنية لها علاقة بالبحر والغوص وكانت قدريّة يروق لها الحديث عن الماء والغوص فيه لاستخراج اللآلئ... قالت لي: شكراً أنت لؤلؤتي التي وجدتها ولم اصطدها.. شكراً حبيب روحي..
لكن لماذا أعطيتني الخاتم هل هو ثقيل.
- لا.. لكن أخاف أن تسلبه مني إحدى الطنجيسيات أو القشتاليات.
كشرت مستهجنة ورانت لحظة صمت كأنها قرن.. رعشة سريعة لحظتها في عروق صدغها.. تركت تأمل البحر مستديرة صوبي..
موجة بشرية هائجة. صفعتني بكفها على صدري..
- اسمع.. احتمل أي شئ.. قلّي أتان ماضغة.. بجعة منتوفة.. بنت آوي مومس.. لكن أعصابي.. مشاعري.. لا تلعب بها.. إنني أحذرك.. عيناك لي.. بياضهما.. سوادهما.. دموعهما.. خالهما الحزين ذاك.
اتسعت عيناها.. احمر وجهها.. وتناثر لعابها حتى أن حقيبتها سقطت من تلويحات الوعيد.. وفي ذروة غضبها خلبتني من معطفي تجرّني كما يجرّني أبي من السبخة مبتعدة بي عن الصيادين.
- اهدئي.. لا تتحمّقي وتكوني تقليدية رعناء.
- لست حمقاء ولا تقليدية. لدي مبرراتي.
- نحن متفقان على التمرد مذ أول لقاء.
- نعم. لكن اتفاقنا تمَّ على الدرجة الخامسة لمحل الأزياء بمراكش.. أما الآن فالأمر استفحل.. والعشق استشرى.. غصنا في القاع.. امتلكتك.. امتلكتني وانسحقت الدرجات.. أكلنا عيشا وملحا.. عشنا عيشا وملحا.. أتفهم.. أتفهم؟
- افهم.. افهم..
- أرواحنا تذوقت بعضها.. تآلفت.. ما عدت أطيق ابتعاد روحك برهة.. بل ربع برهة.. لا احتمل فيك شئ.. حتى وخزة شوكة ذابلة..
- اهدئي.. اعرف..
- أنت أبى.. وأمي.. وأخي.. عزائي.. من يسندني؟.. من لي هنا، أبى نحروه.. أمي مريضة.. وأنا.. وخنقتها العبرة فأجهشت بالبكاء..
لم أتعود بكاء الإناث وخاصة من عايشتهن. تناولت يدها.. قبلت راحتها ظهر وبطن.. قبلت جبينها أيضاً.. والشعر الهابط من جمتها أشعرني ببلله فقبلته خصلة خصلة.. عانقتها.. الخاتم في إصبعها بارد.. أحسست بلسعة في رقبتي. في طنجة لا يستهجنون هكذا تصرفات.. منطقة دولية. خليط آدمي.. طال عناقنا.. تدافئ.. هدأت دقات قلبها.. همست في أذنها.
- اهدئي.. أنا أسف.. الآن فهمت مشاعرك.. تيقنت من صدقها.. كل من عرفت قبلك قـلن لي هيا نتزوج.. أنت الوحيدة من قالت: هيا نرحل!.. وأجهشت من جديد.. ربما جرعة بكاء متبقية في صهريج العويل.. اللعنة على الخواتم والدبل.. اسكتي وإلاّ بكيت أمام هذا الحشد من الصيادين.. سيصطادون أسماك دموعي بصناراتهم.. هل تحتملين أن تثقب دمعتي بإبرة معكوفة؟!.. وفي رأسها طعم نتن. هل تحتملين أن أُدرك بفعل طعم.
مازالت تذرف.. ما هذه المجنونة؟! لم تؤثر فيها التراجيديا.. سأحاول بشرك الكوميديا.. لو كنا في الغابة لأرضيتها.. لكن المكان مأهول.. نهار.. كيف أضحكها؟.. كيف أوقف أنهارها الحمراء والشفافة؟
استجمعت همّتي وصرخت بطريقة مسرحية..
- أين خاتمي، أين خاتمي،.. أين أيتها الجحشة لقد سرقتيه.. أيتها المشعوذة العُمانية.. نظرك مسحور.. دمعك منثور.. وشقّك مشطور..
قهقهت رغما عنها.. النساء لا يحتملن دغدغات كهذه، تعانقنا وسط أفول دموعها.. تذوقت بقاياها.. مالحة دافئة كرذاذ بنغازي.. آه تركت نثرات من الملح في جراب الخيال.. استحضرتها ونثرتها على الآن.. المطر يشتد.. الأمواج تتعالى.. والنوارس زعيقها يصخب وتفر.. هواة الصيد فتحوا مظلاتهم منهم من لملم حاجياته وغادر ومنهم من مؤخراتهم باردة تشبث بالأمل وبقى..
العناق لذيذ والمطر ينهمر علينا منعشاً.. ألذني دفء جسدها.. ازداد التصاقنا المتحرك ببطء.. صرنا كقوسين محدّبين.. اكتنفنا شعور حالم نوراني.. أحسسنا وكأنَّ الملائكة اصطادتنا بصنارة واحدة وألقمتنا مصلاً لا يشلّ الشفتين.
عفست على وترها الحساس دون قصد.. منذ هبوطنا من العتبات المراكشية في شارع مبروكة ونحن مباركان.. عتبات لا تطأ بعضها.. تستند لتسمو لتضاهى شموخ الكتبية .. مُنذها وأنا أموت إحساساً أن قدريّة موطني.. سندي.. إشراقة قنديلي المخبوء وجهها الباسم إكسيري.. شعرها يأسرني.. يناديني لها بترنيمات النعومة المتكاردة.. عيناها تغسل صورتي بدموعها.. ظلها ظلي.. شمس روحي تهفهف حولها.. تنش عنها القذى الفضولي.. لا تطوقها.. وهل صدقت المجنونة أن أي عيون ستأسرني.. لن يحدث ذلك.. وكيف يحدث وقد رشفت لبنا مؤجلا من نهديها.. لبنا دفئه آمالاً قادمة.. موت مستقبل قادم لنجدتنا!!.. أحشاؤها تدعوني إلى وليمة الدلق.. أرضها الرحيمة أتوق لتدشينها.. إلى متى حقاً؟.. حقا اصطادتنا الملائكة بصنارة واحدة والتهمنا مصلا لا يشل الشفتين.
في زقاق منزو لم نحتمل نار غضب تطفأ كلاما فقط.. شرعنا نتقابل بحنو.. نذوّب أنين الغيرة في لعابنا المحتاج إلى بعض معنويات.. يريد أن يطرد عبق معجون الأسنان ليعود عبق الريق الفطري.. تقابلنا بقوة.. سال لعابنا من جميع انحداراتنا العطشى.. الماء لا يبقى في المنحدرات وزمننا يا قدريّة منحدر حاد.. فلج معقد أنهك الماعز فما بال الرعاة البؤساء.. لقد عرفت بأمرها من، إلى،.. في الأفلام المصرية والأمريكية والهندية أتخيل نفسي البطل في قصة اغتصابها لم أتخيل نفسي الأمريكي.. فور ما باحت نظرت في عيوني مليا تنتظر أقصوصتي.. أقفلت عينيها وتفوهت.. لقد عرفت بأمري بتفاصيل قصتي باغتصابي الوجيع.. أيها المشواشي أريد رؤيتك.. الكي في جسدك دروب صامتة.. والغضون الوليدة تصرخ في الخفاء..أنا أراك ولا أرى كلماتك.. أنا أسمعك ولا أتذوق صداك.. لكنتك البنغازية عذبة.. كنّك.. يا را.. واجد.. الهني.. أغنيتك.. (عدّى بالسلامة سقدناك يا منقرش حزامه)..لازمتك كلما لمحت كرة أو صادفتك حصاة في الطريق.. (قالولى وازى قتلهم أهلي بنغازى)..جنونك.. (غير اكبر بس انديرولك عدة وفرس).. محمد أريد أن أتذوق دون ملعقة لحسني بإصبعك الصادق الصادح.. خاطبني ببوح دون نافذة.. سأفهمك شعرا نثرا.. لا وراء لكلماتك غير الوضوح.. أرجوك تكلم.. فكنا من الطروح.. تكلم واجد.. بلاش كرب عز.. هيا.. كنك ساكت وأنت مش ناكت.. خزيه عليك خليت لساني بنغازينو.. أذني لا تحتمل أن تبتعد عنها..أي ساكنة أو واردة..أفهمك بلغة الروح اللا مكتوبة، اللا منطوقة..لغة النفخ.. لغة نسيم الموج.. أنا صخرة عُمانية فتنتني بموجك البليغ.. حتى دون تصريح افهم..حتى وان لم افهم قصتك.. محمد احكي توّا.. والله الله نزعل ونبكى وفى الليل ننصفط عليك!!
عشقان 04-04-2006, 11:07 PM - حاضر يا قدريّة، ولمن احكي للأيام التي بدونك.. للمحققين، سأحكي سأموت سأ سأ سأ سأ..!:
هكذا هي الأيام خبّاءة. هكذا هو الزمن سافر. أبصاري لا تستقبل النتوءات.. والابتسامات غارقة في شفافية الانبساط.. هكذا هي الأيام خبّاءة..
فمن أين لي بيوم يبسط كفيه.. لكن قد أرى الفحم فيهما.. ولا أرى الخطوط فأقرأ ما ظهر في الكف والذي بطن يظل مخبوءا إلى ما شاء الله. سآخذ الفحم من الكفين.. وأخربش أسطورتي.. وأحرقه ليصرعني البرد.. لأنني أخطأت السبورة العذراء.. ما حولي متاهة متشابكة.. مفاتيح ذاتي ضيعّتها الدروب.. والكبرياء كسرت عكاكيز قيادي.. يكفيها أن تتلمس عن قرب. كل قرب لو أمعنا النظر مخبوء. عيناك جميلتان.. بدراك أضوء.. قلبك أجمل.. آه ما أبعد روحك.. وما أتعس مقاييسي الشبيهة بأيام.. تسرع ولا تتلكأ.. أحب تقلباتها على أسفدة الوجود.
هكذا هي الأيام.
لا ندري ما تدس لنا.. عندما كبرت لم يمنحن أبي شيئاً. أوصاني: إن وجدت التمر في القمامة كله.. وجدت القمامة ولم أجد التمر.. بعد حين لم أجد القمامة.. ووجدت تمراً (بلاستيكياً) سككت منه خاتماً.. كلما لمسته ضاق على إصبعي.. بترت إصبعي.. التقفه كلب.. نبح.. ثم ابتعد إلى مكان نظيف.. هل أصلنا كلب.. أم قرد. أم بني آدم !!
أدري.. وهكذا هي الدراية.. وهكذا هي الأيام. وهكذا هو كل شيء.
فتحت عيني في شمس الشتاء.. فأدمعت الشمس.. ورشفت رقية من رذاذ الندى.. فتحت عيني في شمس الصيف. فأرعفت الشمس ورشفت رقية من رذاذ الضباب.. صرت أعمى فقهقهت الشمس بما يشبه الحقيقة.
صرت أطرش فسرقت الشمس الرعد.
وعندما اشتكى الرعد لم يجد من يسمعه.
هل يعني هذا أن أيامه صامته خبّاءة.
الزمن عجيب.. والسواد كساه بظلامه.. في عالم السواد النور ظلام.. وإذ ندخله نفضل أن نكون مغمضين.. داخل إغماضاتنا سواد منير.. سواد وسيم.. داخل إغماضاتنا حلاوة لا نحتملها.. نفتح عيوننا فنستظيء بغير نورنا.. غير نورنا عتم مضيء.. تؤلمنا حلاكته فنغمض لنبكي.. الدموع بول اغماضاتنا.. خدودنا قذرة مهما نغسل فسيظل المصعّر مكباًً.
عندما وجدتْ مبتغاي تمرة على خدي غسلتُها لها بدموعي. كنت خائفاً أن تشمئز.. لكن لاكتها بلذة.. وإذا انتهت قبّلتها وبحثت على خدها عن أي مُلاكة.. لم أجد تمرة. وجدت نوى.. لم أتجرأ على السؤال ومضيت جائعاً ظامئاً وأزل لساني يطرق إسماعاتي القادمة.. لو وجدت التمر في القمامة كله.. كله..
في منتصف التلاشي لحقتني قائلة: أمن أجل تمرة تتركني..؟
كانت غير متوتة.. كحواء بعد تفاحة.. خذ حلمتي.. أرضع ما طاب لك.. كانت أمي.. كانت لعنتي.. كانت كل الإناث اللواتي احترمهن مقهوراً أسفاً..
الدموع بول.. كل مفروز بول.. فلنحتفظ بإفرازاتنا ولا نلوث.
المطر بول..
كل ماء بول..
البحر أيضاً بول..
السماء برمتها كذلك.. الجميل أنه (بول عن بول يفرق).. داخل المراحيض عالم نحن مطره..
داخل البحار حيتان تنتظرنا..
داخل أنفسنا جنة مضيئة تائهة..
أين بوصلتنا!!.. بوصلتنا ناضبة من الزئبق.
عقاربها تتعنن كلما وجّهت إلى الشمال..
ما سر الزئبق..
ما سر البول الأسود هذا!
هل هو مني الشيطان،!!
في مقهى صغير جوار الميناء كانت آلة عصر القهوة تنفث بخار الغلي.. بينما أزيزُ طاحن البن يشوش على بث التلفاز.. أخرجت قدريّة علبة زينتها الصغيرة واستغرقت تعدّل من هيئة وجهها.. وجنتاها حمراوتان من البرد وفمها وأنفها ينفثان بخار الشتاء كنا راضيان.. البوح سلك ليرتق لا يحتاج إلى مقاود الإبر.. يرتق دون وخز.. وخزه صهير مودة منعش متأقلم مع المزاجات.. لكن التأثر على وجهينا كان عميقا كيف يغتصبوا فتاة أحببتها.. كيف تضاجع.. وأنا أين كنت أدور.. أنا غبي.. لماذا لم أحس لم أقرأ تاريخي.. الأيام الميتة العائدة من المستقبل خائنة لم تخبرني ربما لأنني لم أدفع لها وكيف ادفع للأيام وبأي عملة؟..عملة الدقائق السعيدة سرقها الفقر والثواني اللذيذة موتها الكبت لا عملة لدى غير سنين السجون.. عملة أرضية داخلية إن سافرت لا تصرف بل تدينني وتضعني في البلاك لست.. لا سجون في السماء.. كلها هزمتها الجاذبية الأرضية.. الأمطار خدعة كبيرة.. انظر إلى غديرها وكيف ترى وجهك.. اضحك سترى أسنانك تتحرك في الماء.. إنها لكمات قادمة أيها المتأمل في الماء.. الرمال في الصحراء مرآة أفقية.. ويحك إن نظرت..
- في الحمام مرآة كبيرة.
- لا أتزيّن أمام المرايا.
استدارت لي.. بدأ وجهها كما ذي قبل.. لم ألحظ كبير فروق.. بعض الظلال الباهتة. خطا حاجبيها تغمقاّ قليلاً فقط.
- ما العمل؟.. الوقت يضيع.
- أرجوك.. الهموم مختلطة عليَّ.. والوادي مازال ينضخ.. سأذهب إلى الحمّام.
انهمكت في نفث السجائر.. أرشف من كوب قهوتي على مهل.. عادت وحقيبتها تتأرجح من كتفها، وجهها اكثر ألق.. عيناها بارقتان.. من يدري؟ ربما خطرت عليها فكرة جيدة!
- ما رأيك لو نستريح اليوم والصباح رباح.
- وأين، وأنت تعرفين البئر وغطاءها.. النقود على وشك وقاطعتني.-
- وجدت فكرة
- نظفتيها من النتن !
- نظافة الفكرة لا علاقة لها بمكان ميلادها
عشقان 04-04-2006, 11:08 PM بعد أن نفحناه بعشرة دراهم قادنا صبي نحيف أسمر فوق حاجبه الأيمن أربع غرزات لجرح حديث.. عبر شوارع ضيقة غاصة بالبشر.. خرج بنا من المدينة القديمة إلى أزقة متشابهة.. الدروب متعرجة.. والبيوت شرفاتها تطلل النباتات المتسلقة.. فتيات يرتدين اللباس التقليدي تثرثرن مع فتية بلباس إفرنجي.. باعة سجائر وكيف عند النواصي.. عربات يدوية تسوّق البؤس مرتوشاً ببعض اللمسات الجمالية العفوية.. الحمص المطبوخ تعوم في مائه شرائح الليمون.. والبرتقال يقدم معصوراً أو بدون.. فتيات صغيرات يلعبن بورق الخبيّز ينططنه بأقدامهن بمهارة.. وأمهاتهن تتوق بين الفينة والأخرى من المشربيات أو النوافذ.
وصلنا حمّاماّ شعبياّ. اشتهيت دخوله. بجانبه مرآب مملوء بالحطب.. أعلاه مِدْخَنةٌ مُدخَّنة.. أفضى بنا طريق منحدر إلى وسعاية ظللتها عدة أشجار هرمة.. التراب عرَّى جذورها برحيله النازف.. جانبها مبنى مسوّر بحائط طيني ملبن حديثاّ.. ودّعنا الصبي وتمتمنا بالبسملة والصلاة على النبي ثم دخلنا.. تشبّعنا برائحة البخور والمسك.. والزهر والليمون والخل والزيتون وحتى البول والروث المنبعث من زريبة القرابين.. خليط من الروائح الحميدة والخبيثة.. جعلت هواء المبنى دافئا.. سرعان ما تآلفنا وتلاشى اشمئزازنا الوشيك.. البناء شبيه بالمسجد.. لكن دون مئذنة.. تسقف الروضة الرئيسية قبة بيضاء دويرة.. عويل الصغار يتعالى والممسوسون المصفدون بالسلاسل المقفولة على أرجلهم بأقفال نحاسية يصدرون صليلاً مزعجاً متى تحركوا..
- ما رأيك بخلخال كهؤلاء.
- لن أمانع إن كان مفتاحه عندك.
القينا نظرة مشوبة بحذر إلى الزريبة.. ماذا أقول، حديقة حيوان مصغرة.. خراف.. قطط.. دجاج.. ماعز.. بط.. صيد ليل.. قنافذ.. أخطبوط في حوض ماء.. سلاحف.. استمررنا في استكشاف المكان.. وصلنا الروضة الكبيرة.. بابها ضخم.. خشبه هرم مطلي بالأخضر الغامق ومزيّن بصفائح لامعة تنتشر على ضلفتية.. خلعنا نعلينا وولجنا المقام.. حيينا الحضور بإيماءة وتمتمة خافتة.. الروضة واسعة مكتظة بالخلق.. كبار صغار.. الأدعية والتوسلات تنطلق من الحناجر.. الصيحات تفصح عن الحال.. ذاك مدان.. تلك فاتها القطار.. مطلقة وتعول.. زوجها في الجبهة.. هاجر أولاده إلى بر الروم...،...،.. كل ينوّح على ليلاه.. يدعون ويطوفون حول صندوق مستطيل الشكل.. يرتفع إلى مستوى الكتف.. مدثر بقماش أخضر لمّاع. يقولون أنَّ رُفات الولي الصالح مستيقظة داخله تستلم الأمانات.. تباركها وترسلها إلى السماء.. يتقربون إلى حد الالتصاق.. آهٍ من أظرف الخشب ولعاب المسامير.. لحومنا طوابع بريد.. وعرقنا المالح صمغ.. صمغ.. جو المكان يوحي بطمأنينة وسكينة.. رغم الضوضاء وجدنا أنفسنا دون شعور مجبورين على المجاراة.. قرأنا الفاتحة في السر.. ولمسنا الصندوق متمتمين ثم انزوينا إلى ركن قصي.. متأملين العلو.. حيث فراغ القبة الداخلي.. التقعر السفّلي المعلق فوق رؤوسناَ.. رؤوسنا قبب.. ودقات قلوبنا دعوات متواصلة لا تتوقف.. إلهي لماذا قبة الضريح عمياء. عيونها كوّات مقفلة بزجاج غامق ملون.. في إحدى زوايا القبة شبكة عنكبوت.. يقترب منها برص مكتنز.. يتربص بحذر.. الشبكة واجفة. تهتز.. تهتز.. تتوتر بشدة.. تأملت صدر قدرية فانتبهت لي وأشرت لقبة الروضة الفارغة من المادة المملوءة بالصخب والدعاء وسحب البخور.. ابتسمتْ متذكرة..
- صه.. صه..
حذرتها بتفنيصة غاضبة.
- ليس مناسباً الخوض في حديث كهذا هنا !
البرص قفز على الشبكة.. أخ من شبكة لا تصيد.. ارتخى التوتر. وخمد الاهتزاز الماضي.. وابتعد البرص الشبع في قفزات رشيقة.. قبل أن يغيب في صدعه أطلق ضرطة للخيوط المتساقطة على القبب الحيّة.. لم يمسحو رؤوسهم.. تكومت الخيوط على الشباك.. أشعر بالإعياء والنعاس.. جفناي ثقيلتان.. شرعتا في الانسدال ببطء.. قدماي ما عادت قادرتين على حمل هيكلي..
- قدريّة.. سنتفاهم غداً في الأمر.. تصبحين على خير.
- تنام دون عشاء.
- سأتعشى بصحن من الأحلام المشوية على جمر شفتيك.
قدريّة تتأمل انسدال جفني ذات الرموش المقصوف بعضها.. شخيري يرتفع.. تعدّل الوسادة.. صدري عارٍ.. تقفل لي أزرار القميص.. تغطيني بشال أمها القصير.. حبات عرق انتشرت على جبهتي وصدغي.. تمسحها بمنديل من لحم راحتها. تتذوق أصابعها. تتزاحم أصابعها على فمها الدبق.. مذاق أصابعها الآن كمذاق دموعها تلك.. تخلع جوربي.. تغسلهما مع ملابسها.. تنشر الغسيل على أغصان شجرة الحناء النابتة في الصحن.. المرأة التي بجانبها تناولها كأس آتاي بالنعناع المسكي.. تشكرها بابتسامة ودود.
- بصراحة جاء في وقته. أصابعي تورمت من الغسل في الجو البرد
- صحة وعافية أوخيتي.. دفئي صديرك جيداً.
ترفع قدريّة ياقتها.. وتقفل الزر العلوي لكنزتها الصوف..
- شكراً.. الله يرحم والديك.
- راجلك ايش بيه لا باس.
- تعبان من السفر.. واصلين دابا من مراكش.
- مراكش زوينة. ويش دايرا البهجة معاكم.
- زوينة بالزاف.
- وتهدري بالمغريب.. الاخت مغربية.
- لا.. عشت في المغرب سنوات..
وتتدخل امرأة كانت بجانبهما ذات ملامح جبلية.. نحيفة طويلة أنفها مدبب داخل وجه طويل.
- اسمعي أختي..
- نعم.. أذني لك.
- المرأة المزيانة ما تغيّب عيونها على راجلها حتى وهو ناعس.
- إيش تقصدي
- إتشوفي اللي في الضريح كلهن راميات صنارتهن وراجلك زوين ماشاء الله عليه!
وكان الضريح يغص بكثير من النساء.. بينما الرجال لا يتجاوزون أصابع اليدين.. ولتدرأ قدرية الأخطار عن وليفها صرخت في وجه المرأة.
- زوين ولا قبيح شنو يخصك. وايش بيك تحملقي في راجلي بالزاف.
وعاجلتها برمي كوب الشاي حتى تشظى. هربت الناصحة ومانحة الشاي تشبثت بقدريّة مانعتها من الملاحقة.
- اهدئي اوخيتي.. اهدائي شن اسميتك.
- قدريّة.. قدريّة..
- إهدائي اختي قدريّة.. اسمعي كلام أختك فتيحة. العني الشيطان..
قالت قدريّة في نفسها عندما تنتابني نوبة لعن لا أفرق بين شيطان أو ملائكة.. كل مخلوق ملعون مرجوم بأحجار الخيبة.. بأحجار اللا اختيار وعندما يصحو محمد أحكي له عن مغامرتي الصغيرة هذه.. وكتمت ضحكتها مخلطتها بسعلات متواصلة.
ويتواصل الثرُثار النسوي.. ودوران كؤوس الآتاي. والفطائر والكعك.. والبيض والبرتقال.. تبسمل وتلتهم بالهناء والشفاء.. تحس بالدفء وتتمنى لو كنت أشاركها الطعام.. اكثر من مرة همّت بإيقاظي.. لكنها تراجعت رأفة بي.. احتفظت لي بتفاحة وبيضة ورغيف شعير.. تشعر بالسعادة وتهتف داخلها. ما عاد ينقصني شئ.. الرجل.. الطعام المأوى.. كلها عندي.. ولو لليلة واحدة لا يهم.. الاطمئنان يغمر كياني.. تجتاحني رغبة في قراءة القرآن من المصحف أتمنى لو يتوقف طمثي الآن.. أقرأ من ذاكرتي..
بسم الله الرحمن الرحيم: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا...)
لكن ينقصني.. اجل ينقصني.. أمي.. أمي.. ليتك سعادة حقيقية. فرحانة يا أمي.. فرحانة.. لو كنت هنا لزغردتي لنا.. أمي.. أمي.. حنيني له بحنّة تعجنينها بأناملك الندية.. أمي.. أمي.. محمد قسم لي.. راجلي.. نصيبي.. ارتفع شخيري.. تعدّل لي الوسادة.. أتأوه بصوت خفيض. أتقلب إلى الجانب الأخر.. جفناي ترتعشان.. احلم ببنغازي شوارعها.. حدائقها.. بحرها.. أسواقها.. ملاعبها.. المحيشي.. بوهديمة.. الكيش.. بوهديمة.. سوق الحشيش.. الصابري.. وفجأة يقذف بي الحلم إلى مراكش الحمراء.. أتجول في الغابة. عند الشجرة المدفون تحتها الكوندوم لا أثر للجبال الترابية المنفوثة.. هل هاجر الهنود الحمر؟.. هل تكرسوا غجرا للسذاجة.. هل اندثروا؟!.. أحجّ إلى الشجرة الأخرى. المعلق على غصنها كوندومي اليوم الثاني، أجد الغصين قد غلظ واستطال وتزوج فانجب غصوناً تكاد تتشابك في بعضها.. حتى أنَّ يديَّ ما عادت تصلان الغصين الأصل.. استعين بصخرة تقبل دوسي. أتلاحق مكان العليق القديم.. اصل.. لكن الكوندومين لا أثر لهما.. اشعر بخوف.. بجزع مبهم.. تلوح منى التفاتة إلى الحضيض الضحل..
عشقان 04-04-2006, 11:09 PM - آه.. آه.. ما هذا؟!
تراء لي طابور طويل قادماً نحوي.. طابور لا نهاية له.. بشر بشعون، عجائز ممسكون بمعاول ورفوش ومقاص وخناجر وسيوف وخوازيق دبيبة الرؤوس.. ورماح وأزاميل وصواريخ.. تقودهم شمطاء في يدها إبرة طويلة.. أحملق في الإبرة جيداً.. تفزعني.. غشيمة رأسها غير مثقوب! توجهها ناحية طفل مكبل على رأسه ريشة شفافة ثم إلى أزهار الغابة.. يصرخ الطفل: الأزهار لا تحتاج لكل هذه الأسلحة يمكنكم قطفها برفق بأصابعكم مثل قدريّة ومحمد.. يشخط فيه عجوز ملتح وآخر أمرد ويصفعه عملاق قاتم فتطير الريشة عن رأسه متوارية في الفضاء.. بينما تهجم الشمطاء بإبرتها العمياء تحاول غرزها مكان الريشة لينفر رأسه دماء القرابين.
فأصرخ قافزاً وسط الروضة وقدريّة مشدوهة خائفة لم تتعود مثل هذه الأمور من قبل. أصيح.. الورد.. الورد.. الورد..
في هذه الأثناء كانت حلقة الحضرة ببخورها ودفوفها وطبولها وآلاتها الصادحة قد تركت الصحن ودخلت الروضة تطوف وتتبرك بالمقام.. كانت في أقصى حالات الوجد والحماسة والتوحد.. الدراويش يلوون رؤوسهم بشدة.. ويقفزون إلى أعلى والنساء في ذروة الزار.. شعرهن يتناثر على ظهورهن ووجوههن المحمّرة من الدفء والعرق.. أصرخ دون توقف.. لا.. لا.. الورد.. الورد.. الورد.. الصبي.. الريشة.. المزامير تصاحب الذكر الصاخب فتتوه نداءاتي في خضم الضجيج.. أجد نفسي في منتصف الحلقة.. محاط بالجميع.. ضريح ميت محاط.. ضريح حي محاط.. فاجعة.. لعنة.. سور بعيد يحيط بالأسوار المتقاربة.. بعيد.. قريب.. بين ضحية المسافات أموء.. لا.. لا.. الورد.. الورد.. الورد..
شيخ الطريقة يرتكز في المنتصف. يصفع البندير بقوة ثم يناوله لمريد يقترب مني بمبخرته النافثة.. يدور حولي سبعاً في كل اتجاه.. يبخرني وينفث زخّات من ريقه في اتجاه الوجوه.. أجدب بقوة لا، رأسي أسرع من ذي قبل رقبتي تطحن سبل الرقاب.. قدريّة خائفة تستند على فتيحة.. تخشى عليّ من جنون الفجاْة.. فمن أعماق النوم غصت في أعماق اليقظة!.. تَشدُدْ ذراع فتيحة مستنجدة بقشة تنقذني.. توقظني.. بإشارة من الشيخ هدأت الدفوف وتباطأت حركة المجاديب.. حتى أنني ركنت إلى السكينة ورقبتي بدأت تنتصب كما كانت.. وفجأة امرأة مفلوجة تعوّل في قدريّة..
- قولي لراجلك ما يوقف الجدب. نبغي كريعاتي تتحرك !
يدخل مبندران جديدان يتهامسان مع الشيخ.. تتغير الإيقاعات إلى الوتيرة السريعة.. الدّقة الجديدة قريبة من إيقاع الحجاز.. تخاطب قدريّة نفسها.. لو كان محمداً مستيقظاً لدخلت الحلقة وجدبت.. الدقات تجذبني تغويني تستدرجني إلى الشرك بلذة.. يدخل مريد بمبخرة مُتقدة.. تنفث بخور الجاوي.. صرخات ترتفع من جالس في الركن.. الجاوي يا عيساوي.. وصارخ أخر يّلمس إبهام قدمه فيقفز إلى قلب الحلقة.. ويجن جنوني معهم فأقفز جادباً بسرعة شديدة.. الشيخ يلود حولي ويقترب مني بتؤدة.. يرذذ وجهي بنثر لعابه ويرشني بماء الورد من قنينة تتصل بطرفها كورة مطاطية.. تكمشها أصابع الشيخ كنهد فتضخ من ثقبها الضيق عطرها المبتل المتبّل بالبركات.
بإشارة من الشيخ دخل مريد عملاق.. يحمل سفرة بها سيف داخل غمد مذهّب.. استله الشيخ.. بان أبيضاً صقيلاً.. ارتعبت قدريّة وهمّت بدخول الحلقة لولا فتيحة المتشبثة بها.. وصرخت عندما سلّمه الشيخ لي.. قبلته بتبجيل وطفقت أرقص به متلائماً مع الأنغام الجديدة.. أنغام السيف متغيرة الحركة.. كل الرقصات تتنازع عليه.. رقصتها جميعها.. طارقي.. مصري.. خليجي.. مغربي.. ليبي.. الخ.. رقصة واحدة لم تدقها الطبول أو تعزفها المعازف ولكان جننت حقيقة وليس تصوفاً.. ربما يكون الشيخ قد قرأ سريرتي وأدرك خبيئتي.. وعرف جرحي الغائر الضائع.. الفلامنجو.. الزرقة التي خلقت ذات بحر.. هربت نحو السماء.. صفعُ الأكف ألهب جلود البنادير.. الحضور في شوق للوصول إلى اللحظة الأم.. الزمنية الحاسمة.. عيونهم تتسع.. مفتوحة دون رمش.. حتى العمى آذانهم ستتمزق من اتساع الرهف.. الكل.. يهفو إلى اللحظة السر.. فتيحة تحكم قبضتها على قدريّة.. طرقات البنادير تدفع عجلة الزمن حيث هاوية البدء.. لحظة إغماد سيف الجد في البطن الضامر أو القلب النابض.. لكني خيبت أظنانهم.. وتوّهت مظانهم هكذا حدث لي.. قبلّت خاتم الجد الأثرى.. دفنت شوقهم في قبور المألوف.. أطفأت ترقبهم المشتعل فضولهم البذيء.. ارتخت ذراع فتيحة.. انبسطت قبضتها. تحررت قدريّة قليلاً.. كانت السعيدة الوحيدة في ذاك الحشد الموجود! صحيح أن الإنسان في حالات الوجد والإشراق والتجلي يتبلد جسده فلا تمزقه السيوف ولا تحرّقه النيران.. لكن قدريّة ليست متيقنة تماماً.. خذلتها تميمة معلقة في عنقها إذ تعرضت للاغتصاب!.
وسط نظرات الذهول قبّلت السيف مجدداً وختشت خاتمي بحدّه.. ثم رفعته عالياً وانقضت فتيحة على قدريّة المنفلتة الصارخة.. لا.. لا.. راجلي..
ارتفعت دقات القلوب والبنادير واستنفرت الأحاسيس كل رهافتها المدخرة.. بارقة أمل.. أمل لعشاق الإغمادات.. وفي حركة سريعة رفعت السيف عالياً وأعدته إلى الغمد الخاوي صارخاً باكياً.. تنفست قدريّة الصعداء.. لمحتها تلوّح لي مشيرة إلى شعرة الري على جبينها بينما الشيخ يرش على وجهي ماء الورد متمتماً بتعاويذ سريعة ومحملقاً بتركيز في عيني.. صرت أصرخ بقوة.. الصلاة على النبي، ويرد الجميع اللهم صلي وسلم عليه.. يعيد الشيخ تمتماته في أذني فأصرخ مجدداً وأتهاوى، كصارٍ بلع البحر سفينته.. بخّرني المريدون سبعاً والشيخ مسح جبهتي براحته.. وفرد لي تشنج جسدي.. ثم أمر بإعادتي إلى ركني القصي.. احتضنتني قدريّة بلهفة.
دثرتني بمعطفها وشال أمها القصير.. ثم ارتمت على فتيحة غارقة في العويل.. أفرغت قدريّة عبرتها.. دموعها بللت كتف فتيحة.. رواد الروضة أكثرهم ناموا.. تكدسوا في الزوايا والوسط.. أكثرهم تركز حول الصندوق.. منهم من استند عليه، ومنهم من نام واقفاً وذقنه مستنداً على سقفه.. مازلت نائماً والحديث الهامس بين فتيحة وقدرية تشعب واتسع واتخذ مناح كثيرة.. فتيحة معلمة علم نفس تسكن أصيلة.. جاءت الولي لإعداد أطروحة دكتوراه حول الطرق الصوفية والأضرحة.. قدرية لم تبخل عليها بما تعرف قالت لها تقريباً كل شئ عندما دبَّ النعاس في جسدها توسدت ذراعها ونامت.. كانت حكاية الولد الليبي تطرق رأسها.. ما حكايته بالضبط كيف جاء إلى المغرب؟.. بوحه هكذا الأيام خبّاءه زاد طلسمته وعمّق غموضه.. هو لم يحك لي وأنا لم أسأله.. وإذ استشعر إحساسي بعدم كفاية أبحوحه حتى ربت علي وصبّرني بنظرة انتظار صحيح إن أبحوحه أمتعني، وجعل تعلقي به أبديا هو يجهل أني شاعرة تمزقني كلماته.. تضيئني قناديل حروفه.. آه من نيرانه هذه.
فتحت عيني في شمس الشتاء.. فأدمعت الشمس.. ورشفت رقيّة من رذاذ الندى.. فتحت عيني في شمس الصيف. فأرعفت الشمس ورشفت رقيّة من رذاذ الضباب.. صرت أعمى فقهقهت الشمس بما يشبه الحقيقة.
صرت أطرش فسرقت الشمس الرعد.
وعندما اشتكى الرعد لم يجد من يسمعه.
هل يعني هذا أن أيامه صامته خبّاءة.
الزمن عجيب.. والسواد كساه بظلامه..
في عالم السواد النور ظلام.
وإذ ندخله نفضّل أن نكون مغمضين.
داخل إغماضاتنا سواد منير.
سواد وسيم.
داخل إغماضاتنا حلاوة لا نحتملها.
نفتح عيوننا فنستضيء بغير نورنا.
غير نورنا عتم مضيء..
تؤلمنا حلاكته فنغمض لنبكي.
الدموع بول إغماضاتنا.
خدودنا قذرة مهما نغسل فسيظل المصعّر مكباًً..!
هل صحيح المسعّر مكبا،!
فعلا إن قبّله من لا يستحقّه..
استغرقتنا الأحداث السريعة والمفاجآت المتلاحقة، لا وقت للأسئلة في أزمان الرحيل.. هو مثلي لم يحاول معرفة اكثر مما بحت به، وتترك حكايتي ويركض بها الخيال إلى الغابة تبحث عن الكوندومات المدفونة والمعلقة.. هل تحولت إلى ثمرات، أم أنها ذابت والرياح ذرتها كسفيف مطحون.. أم حملها طائر إلى عوالم الحلم.. آه أحبه.. أحبه.. ليتني ما حكيت له قصة اغتصابي.. قد تستيقظ شرقيته وتصير الحكاية عقدة لامعة إن جمعنا النصيب.. أحبه.. أغار عليه.. أقتل من أجله.. كواني بتغزله في الطنجيسيات.. كدت أجن.. بكيت من جدّي.. لو استمر في تغزله لرميت نفسي في البحر، أو قطعت شرايين معصمي.. سأصنع له حجابا في هذا الضريح، لكن أين أنا إن أخذته عن طريق السحر!.. هلاوس كثيرة اجتاحت مخيلتها.. كانت الأستاذة فتيحة ساهرة على راحتها.. شريحة حيّة تدرسها مباشرة.. تدثرها إن تعرّت، تطمئنها وتؤنسها كلما تباعد الأمان عن مرافئها.. تاه ما قلت تعتم في مرآة النسيان المظلمة..
في الفجر سرى النشاط في الروضة والصحن والحظائر.. وبقية الملحقات الخدمية غادر أناس وأتى جدد.. قرقعات الطناجر والصحون تختلط بفرقعات وطرشقات الفحم والحطب المتأجج.. النساء يشرعن في طهي الفطور.. من حريرة ومسمن وخبز وبيض وقهوة وآتاي.. جلست قدرية في مرقدها.. فتيحة نائمة يمينها.. وعلى وجهها شبه ابتسامة رضى.. يسارها المكان خالٍ.. قفزت مفزوعة صارخة.. محمد.. محمد.. تخطت النائمين بقفزات سريعة فور وصولها إلى الباب تلقتني أنشّف وجهي بالمنشفة.
- صباح الخير يا قمري.. تركت لك نصف المنشفة جافاً.
تذكرنا محطة باب دوكالة.. كرسي نومها.. الكرتونة المهد التي غنمها النظافون.. أول ليلة قضيناها معاً.. كان ذهابنا آنذاك إلى الحمام بالتناوب.
عشقان 04-04-2006, 11:10 PM قدور (الحريرة) على وقدات الحطب تفور.. تطلق عبق نضح جالب للشهية.. الفطائر الرقيقة المبللة بزيت الزيتون تتقلب في المقالي.. آن النضج ترفعها الطاهيات مودعاتها أطباق السعف.. رائحة النعناع المنبعثة من براريد الفضة تزاحم شذا البخور المتصاعد من المباخر المذهبة الأنيقة.. للضريح تبخيرة صباحية دائمة لتعطير الأنفاس المزفورة قبل رحيلها الأبدي إلى الهواء.. كل زائر فرش زاده أمامه ودعا الآخرين.. الأيدي تمتد إلى السماط تلتقم ما تيسر من الفطائر المسمنة المضمخة بالعسل والزيت.. احتسينا القهوة باللبن، وبينما كنت ألوك الفطيرة الدسمة بلذة كانت قدّورتي تغمس حبيبات الزيتون في هريس الفلفل الحار، وتمتصها ببطء قبل أنْ تخرج أنويتها عارية..
- زيتون سرغيني على فلفل مراكشي وعلى الريق.
- تعودت.. مولودة في بحر البهار.
ونحن منهمكان في الأكل.. دخل مـريد صغير.. جال ببصره حتى التقت عيوننا.. صبّح بالخير.. وهمس في أذني :
- الشيخ بوسبحة يبغيك. يتشرف بحضورك دابا.
انتابني ضيق.
- ماذا يريد منك الشيخ؟
- يزوجني ابنته! هل أعلم الغيب؟!
- سأرافقك ما نتركك تمشي لوحدك ولو صار بيننا القتال.
اعترض المريد رافعاَ سبابته بحزم:
- عفواً أختي.. غرفة الشيخ ممنوعة على النساء.. ولا يدخلها إلا الرجال العدول.
مشيت وراء المريد وقدرية ترافقني حتى باب الروضُة.
- محمد.. لا تنسى إنني معك وفيك ومنك وعليك، أنا حرف جرّك الأبدي!
لم أجبها.
صحن الضريح ملئ بالجرار والقلل.. شمس الصباح تنعكس على غُدران تكونت داخل الحفر الصغيرة.. غدران مقبورة تصعد إلى السماء أو تسفحها النعال والمكاشط.. أرضية الصحن قديمة.. بعض بلاطها فككه الزمن.. أو يعجز الزمن عن تفكيك بلاطة؟.. ميلان التصريف غير موزون.. يغدّر الماء في أمكنة بعينها.. الفضاء مائل.. مائل لذا لا تسقط الأمطار عمودياً.
الأواني المغسولة منكفئة على وجهها.. تتسقطر من عليق القطرات.. قادني المريد عبر ممر ضيق يفضي إلى الدور العلوي.. صعدنا وانعطفنا يميناً.. دق على حجرة بابها كبير في أعلاه نُقش اسم الله ومحمد والخلفاء الأربعة.. صوت واهن منبعث من داخلها:..
- تفضل.. أدخل على بركة الله.
أول مرة أرى باباً أخرس.. يفتح دون صرير.. ليس كل صمت منزلق من زيت.. كانت رائحة البخور تعبق أجواء الغرفة.. منضدة فاخرة في الوسط.. الجدران مبلطة بالقيشاني المزركش حتى منتصف الجدار.. الأرضية مفروشة ببسط أعجمية حمراء بزخارف زيتونية غامقة.. الغرفة مؤرَّكة من جهات ثلاث عدا جهة الباب.. جلود حيوانات معلقة في الزوايا.. لا صور شخصية حتى للملك المبجل.. من السقف تتدلى ثريا فخمة مضاءة المصابيح.. كان الشيخ قاعدا على منتصف الأريكة المواجهة للباب يداه على طنفستين تجانبانه..:
- تفضل شرفت.. املأ عيونك من خير الكريم وصلي على المحبوب الودود.
تمتمت بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم.. وتمتم معي المريد الذي غادر لشأن بإشارة من الشيخ.
- مرحبتين بالخو.. شرفتنا وشرفت ولي الصالحين.. إنشاء الله ارتحت البارحة.
- الحمد لله.. نمت نومة مرتاحة ما ندري بنفسي إلاّ في الصباح.
- الحمد لله.. أنت شاب مبارك وطيب.
وشرع يتأمل في وجهي ملياً وأنا افتعل الخجل فانظر إلى عمامته الناصعة البياض.. ثم أرحل إلى جمجمة السقف.. جاء المريد بالإفطار وفطرنا..
- من أي بلد أنت،
- من أرض الله الواسعة.
- اعرف يا ابني.. اقصد سميت أرضك.
- ليبيا..
- تستور.. تستور.. سيدي عبد السلام الأسمر.. بلاد الصّلاّح.
وبعد أن عدّد عدّة صوفيين أضاف:
- والتي معك..
لا ادري كيف أجبته تلقائياً..
- زوجتي.
- بالرفاء والبنين. ربي يسعدكم ويهنيكم ويبارك فيكم وفي ذراريكم.
- يسعد الجميع.. يسعد الجميع.
- ومم تشكو زوجتك أو عفواً أنت..
- نحن أصحاء معافون.. غير ممسوسين.. لجأنا للضريح كعابري سبيل.. وسنغادر اليوم.
- عار علينا إن غادرت. إكرام الضيف واجب على الأقل ثلاثة أيام.. وبعدين أنت البارح شربت وردنا وما قذفتا.. يعني صرت واحد منا.. ودمنا في دمك وريقك في ريقنا.. طين واحد.. ملح واحد.. فزعة واحدة.
ذاكرتي خاوية.. لم تسجل حدثاً بعينه ماذا شربت البارحة.. اذكر إنني نمت دون عشاء.. آخر شئ شربته ماء.. عما يتحدث هذا الشيخ.
وأنا أتخاطر هذه الخواطر محاولاً استحلاب ذرة ذكرى.. وقف الشيخ مستنداً على عكازه ذي مقبض العاج.. فتح خزانة خشبية ناولني منها بعض الجلابيب المعطرة بالمسك.
- أنت هنا ضيف الولي.. تأكل تشرب تنام.. تتشفى ما تدفع (والو) ومراتك (دابا).. إتجي العيالات ويعطنها الكسوة الدافئة.. ابغيت تبيت في الروضة على راحتك، ابغيت غرفة أنت ومراتك عطيتك.
- هذا كثير يا سيدي الشيخ بوسبحة.
- فضل الله اكثر وخيره واسع وأعم.. وبعدين ما ننسى فضل ليبيا زمان.. كان أجدادنا يحجوا على ظهور الإبل والخيل وعلى الأقدام.. كان لابد أن يمروا بزاوية (سيدي عبدالسلام الأسمر).. فيعطوهم أولاد الشيخ الكساء والزاد والمال.. في ليبيا ما تتحشم ابغيت شئ اطلبه.. في ناس من أجدادنا طلبوا يتزوجوا ليبيات.. وتزوجوا وبقوا في ليبيا وجاهدوا ضد الطليان.. ما رجعوا للمغرب.. استوطنوا عندكم.. عمروا بيوتات ومزارع إلى الآن موجودين هناك ما قاللهم (والو) انتم مغاربة ارجعوا لبلادكم.
- لا منّة يا شيخ.. نحن بشر واحد.
- صدقت يا وليدي.. العالم جده واحد.. في الحضرة يجدب الكل.. ويدق الطبل ويبندر البندير الكل.. الكل.. الكل يتوحد في واحد.. أنت غريب عن البلد، لكن بعد ما جدبت معانا امبارح صرت واحد منا.. واحد من الأخوان وبعد ما شربت من وردنا وماقذفتا زادت معزتك عندنا.
للمرة الثانية يحدثني عن شرب ورد وجدب البارحة..
- أنا جدبت امبارح؟
- نعم.. وباركت حتى سيف الجد الكبير.. ابصر خاتمك!
وأبصرت في خاتمي..
- صحيح يا سيدي الشيخ بوسبحة.. أنا ما شعرت بشيء غير النوم المريح.
- ومراتك خافت عليك وقريب دخلت الحلقة وهلكت..
- يا ساتر!
- مراتك حائض (دابا)..
- عفواً سيدي الشيخ وكيف عرفت،
- هذا شغلنا يا وليدي.. أنا نعرف !
- وكيف تعرف؟
- هذا سر يا شن اسميتك؟
- محمد
- اسمعني يا محمد.. المفتاح دائماً عند الشيخ ويورثه للشيخ الذي بعده.. ثم للذي بعده.. وهكذا..
- وليش المفتاح ما يتقاسموه وتصير المعرفة مشاعة.
- المفتاح يا وليدي فيه أسنان. والأسنان لا تدور إلا مع الذي يتحمل تروس السر ونارها.
واستمررنا في الحديث الصوفي مدققا بعينيه الكليلتين في عيني كلما سرد.. بعد إتمامنا الأكل منحني مبلغاً مالياً.. وقال لي أنه من صندوق الزكاة وأنت أبن سبيل يجوز إخراجها لك.
كنت خائفاً أن تكشف كذبتي أو يطلب الأوراق لقد عرف حتى خاتم جدي في إصبع قدرية.. لم ارتح لأنسي يعرف خصوصياتي ولو كان نبياً.
تجنبت قدر الإمكان النظر في عينيه.. وتركته يحملق في عيني كما يشاء.. وعيت درس مراكش جيداً.. الاستلاب في الالتقاء الغفيل.. كنت طوال الوقت أتأمل السقف أحاول اختراق نقطة ما.. تذكرت الحلم الذي لم أذكره.. أخيراً أذن لي.. فخرجت من غرفته لأجد قدرية قلقة عند السلم.. غمزتها فتبعتني.. لممنا متاعنا البسيط.. وابتعدنا إلى أين نجهلها.. في الطريق حكت لي ما حدث في الحضرة ليلة البارحة.. لم اصدقها.. ألحت ثائرة لأصدقها..
- أنا متأكدة يا محمد.. ورأس أمي ليس خيالاً لو معي مصورة لصورتك.
تشبثت بعنادي.. لن اصدق شيئاً غير موشوم في ذاكرتي.. تشبثتُ وأصرّتْ. لم اصدقها إلا بعد أن حازتني في زقاق خال يفضي إلى مقبرة قديمة وقبلتني بعنف وباشتهاء حتى أدمت حاشية شفتي.. وأنا أتهاوى همست لها بشطر من قصيدة (مفتاح العماري) : (أيتها الذئبة خوذيني من فمي!).
لا أدري كيف ولجنا درب المقبرة؟
عشقان 04-04-2006, 11:11 PM لطالما تركت لقدمي العنان أول مرة تقوداني إلى مرفأ التفتت والنهايات.. قدرية صامتة.. دخلت ورائي.. يمين البوابة غرفة قديمة.. أمامها هَرم مكتس بجلابية رمادية ويدفئ يديه على وقدة أجيجة.. حييناه فرفع جفنية بثقل ورد التحية بتمتمة لم نتبين فحواها.. كان شدقه الأيسر منتفخ بالمضيغ.. بينما الجرو المقعي بجانبه يتثاءب ويهزهز ذيله!.
تجولنا بين القبور.. غير متساوية.. فوضوية التموْقع.. متوحدة في توجه شاهداتها صوب القبلة.. حفار القبور نحيف عظمتا خديه ناتئتين.. منفوش الشعر مغبرّه.. يحمل على كتفه معول الحفر المعفّرة بالطين.. حاذانا.. حيّانا.. رددناها بأحسن.. تجاوزنا بخطو بطئ.. دخلنا حيث كان.. أرض مخضرة واطئة.. قبورها ذات شاهدات قصيرة.. عشبها تخللته ورود القمّيلة بأزهارها الصفراء المحاطة بتاجات بيضاء، نتفت الريح بعض وريقاتها.. صحون ملونة مغروسة أمام الشاهدات بعضها معبأ بالماء.. في قيعانها حبيبات رمل راكدة.. ابتسمنا لقبير صغير معلقاً في شاهدته رضّاعة ولهاية.
- هل هذا الطفل يبكي في الليل؟! ولِمَ؟!
- -------------------------
- هل الملائكة مرضعات.
- -------------------------
- وكيف هو لبنهن؟!
انتقلنا إلى بقعة أخرى مسوّرة بقضبان مطلاة بالسواد.. قبورها مدثرة بالمرمر وشاهداتها محفورة عليها أسماء الموتى وتواريخ ازديادهم ورحيلهم.. مع نبذة من سيرهم الذاتية..
الطين المبلل يعلق في نعلينا.. نكشطه على حواف المصاطب.. يصمد على أطراف الحواف قليلاً ثم يتهاوى.. نكمل تنظيف أحذيتنا من العوالق باستمرارية تمشينا.. !
نهاية المقبرة لاح لنا كهل ثلجي الشعر.. عادي الملابس.. حذاء أسود.. سروال قماش أسود.. معطف أسود.. على يمينه الشاهدة، وعلى يساره قدمي الميت المردومتين منذ أمد.. كان منهمكاً يكتب جاعلاً من وسط الميت منضدة.. يبعد نميلات عن وريقاته.. ينفضها أو ينفخها.. أحياناً يسعل باصقاً كتلة بلغم فيمسح فمه بمنديل، ويسحب نفساً من رفيقته السيجارة.. بين حين وآخر يرشف من كوب غريب الشكل يذكرني بكوب ديك الجن، ثم يعاود دفن رأسه في الورق.. دون تكفين. أو صلاة.!.. صرح أسود قمته غرّة بيضاء.. بيضاء يا إلهي.
أطلنا تأمله من مسافة وأبطأنا اقترابنا ناحيته..
- أ عرفتيه..
- مألوف لدي
- أعتقد أنه صاحب الخبز الحافي.
- معقول.. محمد شكري! فلنلتقيه..
ونحن نسرع اقترابنا أضطرب قلبانا.. فانحرفنا عن صوبه.
- سندعه في خلوته.
- شعره يقدح.. يقدح..
- زمن التوهج ضنين.. ضنين..
ملأنا إبريق ماء نرش منه على القبور اللا مزارة.. ونرقبه من زوايا عديدة.. كان طافرأً فطفّرنا..
ابتعدنا مسرعين نتجنب العفس على الأكوام المنفوثة من رحم التراب.. الشبيهة بالتي فوجئنا بها في جبال مراكش.. إذ عدنا في اليوم الثاني لجمع الزهور وتفقد كوندومنا المدفون والمعصوبة رأسه بإحكام..
كفكفتْ وناولتني المنديل ملطخاً بالكحل.
عند البوابة رميت المنديل فالتقفه الجرو ولاقانا شاب أسمر شبه أدرد.. استوقفنا بمصافحة مفروضة وسلامات مألوفة..:
- ابغيتو إشي؟
- مثل ماذا؟..
- أولاً أنتما طلبة وإلاّ سواح.
- نحن زوّار لقبور أهلنا..
- لا.. لا.. أنتما لستما مغاربة.
- نحن طلبة تفضل.. ماذا تريد؟
- بإمكاني توفير أعضاء طازجة بسعر رخيص.
واخرج ورقة من جيبه..:
- أعضاء ماذا يا رجل.
- قدم.. جمجمة.. كتف.. ركبة.. ترقوة.. أي عظمة في البني آدم.
- نحن لسنا طلبة طب ولا صيدلة.. أو أقول لك نريد عضواً لم تذكره في قائمتك.
- وايش اسميتو.
- وأشرت بسبابتي إلى عضوي التناسلي.. وقبل أنْ يبدي أي تعبير فاجأته بسيجارة محشوة بالحشيش.
ابتسم وضحك قائلاً:..
- يا أخي نحن على قد حالنا.. لا نتاجر في اللحم في العظم وإنشاء الله !.
جلس ثلاثتنا على مصطبة أمام المقبرة.. خلفنا سبورة كتب عليها أوقات الصلاة وأسماء موتى الأمس.. تجاذبنا أطراف الحديث.. لحسن يحكي مغامراته.. اشتغل كل شئ.. تزوير.. ترويج ممنوعات حمّال.. أحسسنا بألفة معه.. في عينيه بريق أراه مضبب مهتز.. حملقت في عينيه.. أغمضني صدى السبر.. الحقيقة لم يسلب مالي أو خاتمي أو حبيبتي.. بل يمنحنا قطع (الشوكولاته) صحبة الابتسامات المظهرة لبواقي أسنانه المنخورة.
ارتحنا أو تصنعنا ذلك الشعور، نجح في اكتساب ثقتنا.. أو كاد.. ما هذا يا إلهي؟! صرّت أثق في ثالث بعد نفسي وقدرية.. قدرية هي الوحيدة، التي حكيت لها حكايتي برغباتي كيف أريد أجدها.. لو كانت الثقة سر لأدركت خطيئتي.
أدلت قدرية بدلوها بعد طول صمت وتأمل :
- أخونا لحسن.. تقول أنك اشتغلت كل شئ.
- ما الشيء الذي لم تشتغله بعد.
- قوّاد !!
وضحك جميعنا بقهقهات التجزيء.. كل ترنيمة لها آذانها لولا اللسان ما كانت الأذن.. ولولا الأذن لطال ضحكنا ولدققنا طبول المرح على تخوم السعادة.. لكن الأذن ذات طبلة وكل طبلة وراءها هواء ضميئ للثقوب.. هو لا يريد الهرب.. يريد أنْ يعبر.. ويعبّر.. دون دق بالعصي.. الرّاحات المحنّاة مهما اشتدت على الظهر.. لا تخلف غير خيال أصابع.. أصابع طويلة كالدروب.. الدروب.. اللعنة على من درّب البراحات.. لو كانت في السماء دروب لتاهت العصافير.. كل مستقيم معوج.. قد نقيسه ونسلمّ باستقامته.. لكنه معوج.. معوج..
وهل نستطيع قياس نقطة اللا نهاية..
وهل نستطيع إدراك لحظة البدء.. أوغاد.. كاذبون.. لصوص.. يا تجار البرهنة اتركونا نتصايغ.. قال لي لحْسَن بماذا تهذي.. لا افهم شيئاً مما تقول.. لكن لا عليك خذ امضغ من هذا الصنف.. عدّل دماغك كي تفهمنا.. أعتقد إني عرفتك من أي قطر.. أنت من بلد تحب تفهم أدّوخ.. وضحكنا للمزحة وازداد ضحكنا بفعل الحشيش ضحكنا.. ضحكنا.. لكن لم ننكفئ إلى الوراء.
لحظْتُ يد قدرية تنزلق بين فخذيها تعدّل من وضع قطنة الطمث.. ولحظتُ لحسن يحك بين فخذيه.. ربما لا إرادياً لكن نفسي قالت لي ربما ليس ربما.. ربما.. ربما.. أنزلت يدي من على رأسي ووسعت حزامي بغرز السن في الثقب الموالي.
واستلم لحسن زمام السرد..:
- قواد لم اشتغل ولن اشتغل.. هي مهنة ولها أصول وأخلاق وجمعيات ونقابات.. لكن هنا.. غير محترمة.. التقاليد والعرف تذمها.. رغم إنها موجودة.. في كل جهة من الوطن.. الكل يقوّد.. ابتداءّ من النحل والنمل الذي يجمع الغذاء للملكة.. وانتهاءّ بأي سبابة تفضل أنْ تشير بدلاً من أنْ تضغط.. أو تحك.. هكذا عاهدت جدي.. المجاهد الذي حارب الفرنسيس والأسبان ومات عن مائة عام ونيف.. هو مدفون هناك.. قال لي قبل موته: (لا تقوّد في السر).. الله يرحمك يا جدي انظروا إلى هناك وأشار بسبابته.. لا تخف سبابتي تشير لأصدقاء.. ليسوا لصوص رفاة أو مومياءات.. يقولون أن هرقل باعد بين ضفتي جبل طارق.. ولم يوسعه اكثر خشية تسلل الإفريقيين.. لكن جدّي (طارق) عبره رغماً عن أنف أكبر الهراقل.. نحن أقوياء نحرق مرافئ العودة ونرمد المراكب.. ونهفو إلى الجديد البعيد..
عشقان 04-04-2006, 11:12 PM سحبت بعض ثقتي.. مذ متى كان الأحفاد أوفياء؟! النطف تهبّطُ قاذفيها.. نغمة الفخر والتاريخ لطالما صفعت يوتوبيا الحالمين.. تأملت المضيق.. مضيق جبل طارق.. أو بالأحرى مضيق آدم.. هكذا أسميته ذات ليلة وأخبرت قدرية بالاسم ونحن عراة أعبر مضيقها دون (فيزا).. كانت تتأوه وتهمس.. الأقربون أولى بالمعروف.. اقسم أنك أفضل من الأمريكي.. وإذ أقول لها القرب والبعد واحد.. تقول لي: لماذا آدم ضيق.. وأحلامنا لا تشيخ وما ذنب حواء الواسعة.. قبل أن تضيع مع الشعر سألت لحسن:
- ألا توجد غرفة رخيصة للكراء وتكون.. لم أكمل قاطعتني قدرية :
- والضريح.. والغرفة التي خصصها لنا الشيخ بوسبحة.
- لا أثق في الشيوخ ولا المسابح..
- قل استغفر الله.. قل تستور.
- لن افعل.. الثقة إحساس متملص من إرادتنا.
- كيف يذنّبني شئ غير مدروك..
- عدنا إلى الفلسفة البزنطة.. على العموم اطمئنوا كاين حجرة بثلاثين درهم الليلة.. وقريبة من السوق والميناء.
- انت عارف ظروفنا.. نبغوا غرفة أرخص.
- ما تخافي الله كريم.. في النهاية دار أمي داركم.
سعدنا بكلمات لحسن.. المؤرق للعشاق دائماً وأبداً هو المأوى.
انطلقنا وراءه حالمين بعناق حميم يمتص بإسفنجه الدافئ ارتعافات همومنا.. كانت السماء ترسل رذاذاً خفيفاً موقظاً لعنّة التراب.. قالبها إلى انتصابات منبثقة كثيرة لا تعد.. الوقت عصراً وجنازتان تمران ونداءات (لا إله إلا الله ومحمد رسول الله) ترتفع من حناجر الشيّاعة.. سحابتان تقتربان تتراودان.. تتعانقان.. شكع برق.. دوي رعد.. وانهمار شديد من صهريج السماء.. عدونا مسرعين.. وقفنا نتجنب المطر تحت شرفة عيادة مكتوب على واجهتها (عيادة الرحمة للتوليد) التقت نظراتنا !
- لن انجب في هذا الطقس البارد !
- عيادة الرحمة دافئة كالرحمة.
- قلت لن أنجب بعيداً عن أمي.. أخاف.. أخاف !!
- الله مع الوالدة والوليدة.
- قد لا يكون معهما.. أخاف.. أخاف.. في لحظات الوجع والخواء.. أمي.. أنت.. الأقرب.. الأقرب.
برد السماء وجفاف المطر المرشوف من ظمأ التراب حمّر وجهها.. الخجل من البوح المركز أربك إحساسها.. رحل المرح.. ووصلت ذكارى الافتقاد بأمتعتها الثقيلة المعفاة من جمارك الرأفة.. أنجدتها باقتراب سريع مطوّقها بذراعي.. كانت دموعها تسيل تبلل جانب رقبتي. تتسلل قطيرات تغوص في حفر عضتها.. أتألم ولا اصرخ بعد دقيقة توقف المطر.. وانطلقنا مجدداً وراء لحسن.. وفجأة برز من زقاق جانبي مريد الشيخ بوسبحة.. بعد التحايا والسلامات انتحى بي جانباً وقدرية ممتعضة مراقبة..
- يقول لك الشيخ بوسبحة، الغدّا كاين حضرة كبيرة في مقام بوي عمر.. نبغوك ادوز معانا.. ومراتك اطمئن علها تبقى مع العيالات لحين ترجع.
- حاضر يا خوي.. انشاور قدرية قبل..
- ما هذا الكلام. الشيخ بوسبحة يقول العيالات ما تتشاور.
- لكن..
- مالكنش.. كلمتين.. ابغيت تمشي معانا وإلا لا، الصراحة راحة.. افهمت مني بالعربي الفصيح وإلا نقلبلك باللهجة المغربية..
وقطعت كلمته سيارتا شرطة ذات أبواق زاعقة داهمت المكان تجزأ الجمع هاربين.. وأشار لحسن لنا باتباعه.. حملت عن قدرية الحقيبة وهرولنا وراءه عبر أزقة تلتف كثعبان.. أزقة تفضي إلى بعضها ولا تنغلق.. متاهة مفتوحة من عمران بسيط.. مريد أبو سبحة تبعنا قليلاً ثم عجز عن مجاراة هرولتنا لعرج في رجله اليمنى ونقص في رجله اليسرى.. رمى عكازه واختفى في حمام شعبي بخاري.
وصلنا ميداناً فسيحاً.. استقللنا منه أجرة إلى ضاحية في امتداد شمال طنجة إلى الشرق.. حي قديم على البحر ذي المصايف الجديدة. مبانيه أرضية.. أعلاها لا يتجاوز الطوابق الثلاث.. أخبرنا لحسن عن سيارتي الشرطة.. حملة روتينية على أوكار الدعارة والمخدرات.. وعلى الهاربين من تنفيذ الأحكام والمتسولين تبدأ فجأة وتنتهي فجأة.. ويعود كل شئ إلى ما كان عليه.. وكأن شيئاً لم يحدث.. لكن حتى وإن قبضوا علينا عراة يمكنني تدبير الأمر.. المهم في هذا البلد أن تبعد عن حاجتين السياسة والكهرباء.. أما الباقي ما كاين مشكل.. ما كاين والو..
احبك يا أمواج البحر. لأنك تأتي ولا يذهب إليك.. كنا في الغرفة الضيقة الرطبة الدفيئة بأنس الموقد المتوهج.. زفير النار يتصاعد من رئتي الرماد.. كنا للتوّ قد انتهينا من يحموم عناقنا.. منذ مضاجعة الجبل لم نختل إلى بعض.. مازال يومان على انتهاء الطمث.. تعرفنا على عمتي (رشيدة) أم لحسن.. بيضاء نحيفة طويلة.. تجاوزت الأربعين بسنين.. عيناها برّاقتان.. ذراعها الأيسر موشوم بتخاطيط متداخلة.. رباعيتها اليسرى ذهب.. وآخر حلقها ضرس فضة يبرق بخفوت.. كانت ترتدي فستاناً منزلياً.. رحبت بنا وسلّمت عليَّ بالخد.. أما قدرية فخصّتها بسلام نسوة المغرب ذي القبلات المتتالية..:
- شرفتم الدار.. لحسن ما يجلب للدار غير الورد والطيب.
وقامت بذبح ديك بلدي.. عرفه أحمر كشفاة معضوضة.. وريشه مائل للسواد.. تتخلله عدّة ريشات بيض وفضية ومذهبة.. أخذ الديك يصيح محاولاً التملص.. غير أنَّ السكين أخرسته فانتفض في قعر البرميل.. يرفرف بعنف ويصدم الجدران مراراً وتكراراً حتى همد.
دقَّ باب الغرفة.. فتحته.. ناولني لحسن قنينة نبيذ.. بينما قدرية منهمكة في نشر الملابس الداخلية والجوارب في الشرفة المطلة على البحر والمحيط.
- كيف حالك لحسن أمك حنونة وطيبة.
- اللا رشيدة أم الجميع.
- أخفيت القنينة تحت السرير إذ سمعت مناداتها.. ماجدة.. ماجدة
- لا تهتم.. أمي لا تكترث لهذه الأشياء.
البيت من دورين الأرضي حجرتان ومطبخ وحمّام ومرآب يستخدمه الحاج عبدالحق دكاناً لبيع الفحم والحطب والقاز، وشراء الخبز اليابس من الأطفال أو مقايضته معهم بالعلكة أو الحلوى.. والحجرتان إحداهما للنوم والأخرى مقفلة بها حاجيات الابنة بهيجة الخارجة ذات مساء دون عودة.. يقولون أنها حرقت مع الحارقين.. ويقولون أنها هربت مع صحراوي.. ويقولون عنها الكثير من الأقاويل.. عمتي رشيدة هي أبنته الكبرى.. تقطن في الدور العلوي مع ابنها لحسن وابنتها ماجدة.. وسط الشقة جميل مؤرَّك بذوق رفيع.. نادتنا عمتي رشيدة.. :
- تعالوا يا أولاد العشاء جاهز.
جلسنا حلقة واحدة نلوك الرفيسة اللذيذة.. فطائر رقيقة مغموسة في مرق الديك البلدي.. السلطة بالزيتون يفوح خلها كمونها.. وزجاجة كوكاكولا بجانبنا نترع منها كلما فرغت الكؤوس.. لم أتذوق لذاذة كهذه.. طعام المطاعم لذيذ لكن ليس كهذا.. طعام الضريح لذيذ لكن ليس كهذا.. طعام أمي لذيذ لكن ليس به لحم ديك مسلوق.. وجيداً.. عمتي رشيدة طبّاخة ماهرة.. حكي لنا لحسن أنها تطلب للطبخ في الأفراح والمآتم والمناسبات الوطنية.. وتُمنح الدراهم والهدايا وشهادات التقدير..
أثناء الأكل كنتُ قبالتها.. كانت تتأمل قرشي للفلفل الأخضر الحار.. عيناها ترقبان عيني بفضول.. لم أصمد أمام نظرات النضج الحارقة.. أسدل جفني وأطأطأ سريعاً متصنعاً المضغ جيداً.. لو لم تكن أم لحسن لرغبتها. كثيراً ما نحرتني المروءة، وسفحت دماء رغباتي في محاريب الصبر.. بعد العشاء شرعت في إعداد الشاي بواسطة برّادين فضة.. إحداهما للماء الفائر والآخر للآتاي المطبوخ والنعناع.. أخرجت من خزانة خشبية قالب سكر غليظ أسطواني النحت.. كسرته بمدق ووضعت بعض شظاياه داخل البراد.. ثم قعدته في كانون الفحم المتوهج، وانهمكت في تنقية وغسل خلبة نعناع طرية.. بينما عيناها البراقتان ترقبني بفضول.. خجلت أن أسألها.. سألت نفسي.. هل هذه الثمرة عاشقة؟، لماذا تبحلق فيَّ؟.. ربما تكون قد ضيعت شيئاً وعثرت عليه في عيني.. المهم لا بأس.. نحن في الخدمة!
- اشحال عندكم من وليدات.
- اثنان.. ولد وبنت.
ولحظتُ ارتعاش واحمرار في خدّي قدرية فواصلت بعناد..:
- تركناهما مع أم قدرية. ما نبغيهم يتركوا روضة الأطفال.
- ما شاء الله.. ما شاء الله.. ربي يخليهم ويحفظهم.
تثاءبت فوقفت وهمّت قدرية بالوقوف لكن عمتي رشيدة استبقتها بإشارة من يدها..:
- اقعدي بنيتي ابغيتك في حويجة.
- قال لحسن ويده على كتفي : سنذهب في جولة يا ماما ونعود
حملقت فيَّ عمتي رشيدة وأطالت بعض الشيء ثم قالت :
- لا تتأخروا في ها لأيام الدنيا مش هاينة والسَّماء مش صافية..
كانت ماجدة قد اقتربت من قدرية وصارتا تتحدثان.. ماجدة في السادسة عشرة تقريباً.. مراهقة فائرة.. عيناها واسعتان عميقتان.. شفتها السفلى غليظة مكتنزة.. العليا رهيفة كسيف على طرفي شفتيها بعض الزغب الرمادي، خدّاها محبوبتان ببثور منطفئة.. هي بطلة المدينة في لعبة التكواندوا.. متحصلة على حزام أسود.. ذراعاها طويلتان بشرتها خمرية.. تجيب من أبيها السرغيني أكثر من أمها الناظورية.
في الليل ونحن متعانقان حكت لي قدرية عن فحوى استبقاء عمتي رشيدة لها أخبرتها أنني مطلوب للمشعوذين.. والسحرة بسبب الخال الأسود (ختم سليمان) في بياض عيني.. فبواسطة هذا الخال يعتقدون بإمكانية استخراج الكنز الأعظم بعد سفح دم حامله.. وتقريبه رشوة لزرقاء يمامة الجن لتعيّن لهم نقطة انفجار التبر في التراب.
خوذي بالك من راجلك الزوين.. قوليلا ما يحط الثقة في والو.. الثقة في سيدنا محمد ومحمد مات.. كنت بين مصدق ومكذّب. عاد شريط ما مرَّ بي من أحداث.. شككت في كل الحفاوات التي لقيتها.. أنا لا أومن بالسحر.. لكن قد أكون ضحية المؤمنين به..!!
عشقان 04-04-2006, 11:12 PM عندما خرجت مع لحسن ولجنا إحدى المواخير.. شربنا كأسين وأردفتهما بثالث مزدوج.. كحلنا أعيننا بغنج المومسات اليائس.. دخل لحسن بينما فضلت انتظار جفاف الطمث.. الآن أشعر بارتخاء وقدرية تغيظني وتضحك شامتة.. إلاّ أن بعد قليل.. خيّم القلق مجدداً.. خيم على صدورنا.. التصقنا بشدة حتى وجدنا صعوبة في التنفس فارخينا طوق ذراعينا تدريجياً واكتنفنا النوم.. ذلك السجن الوديع.. المفرج على نشاط رعاياه.. لحظة انبلاج الفجر وسط تأوهات الديكة من روائح السكاكين وزقزقة العصافير على الأشجار المحاذية لنافذتنا الموصدة.. الموصدة في وجه الريح.
في المساء جلسنا وسط الشقة نحتسي الشراب.. وندخن الحشيش كل حسب طاقته المباهية، غادرنا لحسن ليبيت مع عشيقته الأسير زوجها في تندوف.. تثاءبت قدرية ودخلت للنوم..:
- بغيت قهوة تعدّل دماغي.
بنظرة من عمتي رشيدة وقفت ماجدة بتكاسل جسدها مصقول.. أشعلتني مؤخرتها المتهزهزة كورك فرس يعبث به شعران.. قلت لعمتي رشيدة :
- انخاف اتكثّر السكر.
ولحقتها إلى المطبخ أغالب الترنح.. شعرتْ بدخولي ولم تلتفت.. كانت تتأمل اللهب الأزرق (كخديجار) اللهب يأمر الماء بالغليان.. الماء يأمر السكر والبُن بالذوبان.. جسدي لا ينتظر أمري فالتصق بمؤخرتها مطوقاً بذراعي عنقها.. تاركاً أصابعي تتسلل من فتحة الرقبة لتشاكس النهدين الصغيرين النافرين.. لم تتحرك بيد أنَّ جسدها انتابته قشعريرة واجفة راجفة.. صارت تتأخر بمؤخرتها كآتان شبقة.. أول مرّة أعشق التأخر والانحطاط!.. فجأة التفتت ناحيتي وصفعتني بقوة.. ثم ركضت خارج المطبخ تاركة وعاء الماء يفور ويفور ويفوج.. أشعلت الموقد من جديد وأكملت إعداد القهوة.. أتأمل اللهب.. استشعر حرقان خدّي.. ملأت فنجانين.. عمتي رشيدة متكئة تغط.. دثرتها بلحاف ثم رشفت رشفة قهوة.. أعقبتها برشفة نبيذ.. وأشعلت سيجارة سحبت منها نفساً عميقاً نفثته ببطء.. وإذ بسحب الدخان تتسارع ناحية غرفة ماجدة.. تتبعتها وخطر لي أنْ أردَّ لها الصفعة.. وجدتها راقدة على بطنها.. رأسها غاطس في المخدّة تشممت شعرها استشعرت أنفاسي فأدارت رأسها وجذبتني إليها مسبلة العينين.
انتهينا بعد ربع ساعة أو ثلث تقريباً...
لم أجد عمتي رشيدة مكانها. الحمام مطفأ.. المطبخ مطفأ. تلصصت من ثقب الباب قدرية تتصفح مجلة.. النعاس يغالبها وتغالبه بتوق الانتظار.. لم تبق إلاّ غرفة لحسن.. دفعت بابها.. كانت عمتي رشيدة واقفة بيضاء كتمثال مرمر.. قفاها لي.. وجهها في المرآة يراني.. كانت جنيّة فاتنة.. سبيبها منحدر على ظهرها يشق طريقه بين وركيها يكاد يلامس شعرها السفلي.. لم تتركني أتأكد.. التفتت ناحيتي مقتربة مادة ذراعيها اندفعت ناحيتها.. صارت تدفعني بفخذيها المترجرجين إلى الوراء حتى واربت بمؤخرتي باب الغرفة. ليس كل المؤخرات عواهر.
- إنشاء الله ما ضريتش الصغيرة؟
- بشفتي فقط.
ابتسمت وانهمكت تقبلهما ببطء.. مسبلة عينيها كابنتها ولم أع بنفسي ووجدتني غارقاً في عالم النشوات.. تيقنت أنَّ أمراء بني أميَّة على صواب لهوسهم ببربريات الأطلسي. وجلبهن مخفورات إلى الشام وبأي ثمن.. وبعد أنْ ارتخينا عانقتني بقوة..
- دابا امشي لقدريّة.. انت ولد حلال.. تعامل المرأة مزيان.
دخلت على قدرية مترنحاً عيناي ذابلتان. أرقدتني على الفراش تخلع لي ملابسي.
- آه.. أين تبّانك؟
- نسيته في الحمام.. سأذهب وأحضره.
كنت نسيته في غرفة لحسن..
- أسترح الآن.. سأذهب أنا.. أنت سكران ومسطول.
- على الطلاق منك سأذهب.. أنا.. أنا.
وأشهرت السكين في وجهها.
- محمد.. بلاش فضايح في هذا الليل.
وضغطت على الزر فخرج من الغمد لامعاً.. لحست ظهره البارد ثم أقفلته وأعدته إلى جوربي.. انطلقت إلى حجرة لحسن.. كانت عمتي رشيدة قد ارتدت ملابسها وتعطرت وانهمكت في تسريح شعرها بتؤدة.. التقطت التبّان وقبلتها قبلة أوقدتها من جديد.. هكذا هي الفتائل العتيقة تضطرم لأقل رائحة شرر.. بلزاك أين نساءك المحبطات؟ لا اقتنع بامرأة محبطة أبداً.. أبداً.. لم يجدِي تشبثها. تملصت منها واعدها بمعاودة الكرّة وسأسنّح الظروف.
عدت إلى قدريتي خلعت لي ملابسي.. ومسحت جبهتي بمنديل مبلل معطر بالزهر أشعرتني بالانتعاش.. فجذبتها فوقي واشتعلنا سريعاً وإذ ألبستني الكوندوم حتى ابتدأنا نلهث معتصرين روح حواسنا.. ذاكرتنا.. رغم وجود الطمث وصلنا إلى لحظة الانتشاء.. لحظة اللعنات الأبدية..
عشية اليوم الثاني خرجت وحيداً سكيعاً في شوارع طنجة المقدودة في الصخر.. الفاتحة دروبها لصعلكات الرياح المجنونة.. سوق الخضراوات أفاض بي إلى سوق الملابس والأحذية والخردوات.. اشتريت معجون أسنان وصابون حلاقة.. وانحدرت مع شارع وسيع انعطف بي لأجدني قبالة المرفأ.
زعيق نوارس وأبواق سفن على أهبّة الرحيل.. الباخرة الليبية (غرناطة) تفرغ واصلين وتملأ مغادرين.. حمّالون يدفعون عربات محملة بالبطاطين والبسط والزرابي والأحذية.. بالات من القماش المزركش معكوشة في ياطر تهتز.. عمال مناولة يجرونها فوق العربة ويفكون ياطرها.. تعود الرافعة بياطرها الفارغ إلى داخل العنبر الكبير.. سيارات فخمة مطعج بعض جوانبها تشق طريقها إلى جوف الباخرة. يبدو أنها مهربة بتواطؤ من الجمارك وشركات التأمين..
عدت إلى البيت.. قدرية تساعد ماجدة في برم الكسكسي بينما عمتي رشيدة منهمكة في عجن دقيق الفطائر والخبز.. سألت عن لحسن.. علمت أنه سيبيت خارج البيت لشغل طارئ.. بعد العشاء اقترحت قدرية أن نقوم بجولة في المدينة صحبة ماجدة.. كان الجو رطباً منعشاً.. والمارة يزدحمون على باعة الرصيف.. البضائع المهربة بسعر التراب.. أشياء كثيرة رغبناها غير أنَّ العين بصيرة واليد قصيرة.. ونحن نعود قابلتنا سيارة مرسيدس سوداء تنبعث منها موسيقى صاخبة.. تجاوزتنا. ثم توقفت وتأخرت بسرعة إلى حذونا.. هبط منها ذو بذلة فاخرة.. ذو عطر ثقيل.. ذو نظارة سوداء.. ذو وجه حليق محفوف الفودين هذا الذو في كهولة العمر. صافحني وعانقني مسلماً بالخد. ثم صافح الفتاتين..:
- كيف حالك يا ولد.. مازلت عايش..
- الحمد لله
- كيف ماعرفتنيش يامحمد؟!
- كيف يا راجل.. معقول.. عرفتك عرفتك.. لكن المفاجأة أعقلت لساني. كيف حالك.. سلمن عليه يا بنات.. هذا كيف أبي.. قائدي القديم.. مثلي الأعلى.
- شكراً محمد.. مانستاهلش كل هذا الإطراء.
- كيف يا راجل تستاهل خير العالم كله!.. ولو يا أبوصياح!
في يافعة عمري طرد المقاول أبي من العمل.. لمطالبته بأجر أعلى.. كونه (اسطى) وليس عامل يومية.. كوخنا الصفيحي خال من أي طعام.. بالكاد تطبخ لنا أمي مرة واحدة في اليوم.. يومياً أرز أو مكرونة أما الإفطار فدائماً خبز وزيت.. أو خبز وشاي.. وإن خصَّ الخبز تخرج لنا أمي من صندوقها حفنات تمر ومد زميته.. كانت جدتي في الخمس ترسل لنا كل عام الزميتة والتمر.. فلا تستهلكها أمي إلا في أوقات الضرورة أو في شهر رمضان.. أو إن أصاب المرض واحداً منا.. بعد سنوات ينجح أبي في إحضارها إلى بنغازي لتعيش معنا في بيت شعبي منفوح من الدولة للرعية.. ليصيبها الوهن سريعاً وتدفن في مقبرة سيدى عبيد.. كانت الحاجة زمزم خلاسية من فزان.. رمت بها مقاليع الأمكنة من فج إلى فج.. فزان.. إجدابيا.. الزاوية.. طبرق.. عمان.. الخمس.. ثم بنغازي.. كانت طيبة حبوبة تترك مرافئ رحيلها غارقة في الدموع.. وإذ رحلت ما عادت الزميتة تأتي وما عاد الزيت يفوح.. أنا حفيدها.. الراضع زيتها، السّاف زميتتها إبان قحطي.. في مذاقي طعمها الطاغي على نكهات أتناولها ولم أرضع روحها في القديم.. ها أنذا أتساردها مرغماً.. جدتي صارت حكاياتك الكترونية تلسع بلل سمعي بصعيق ظامئ للحنين وبينما كنت عائداً من شاطئ (الكبترانية) الملاصق لميناء بنغازي حاثاً المشي ناحية رأس عبيده.. صادفت أمام مبنى الاتحاد الاشتراكي العربي (الكاتدرائي) زحام أولاد وحافلة تطرطر مشرعة بابها.. كان رجل ممسكاً بمضخم صوت يدوي يخطب بحماس: تطوعوا لخدمة الوطن.. بالانخراط في معسكرات الثورة العربية.. في المعسكر ستجدون أحواض السباحة والملابس الجديدة.. واللحم المشوي.. والدجاج المحمر.. والبطيخ الفائح والعصير.. والبسكويت.. وحتى جولاطي الطرابيش..سنمنحكم الجوائز القيمة.. سنصنع منكم رجالاً صناديد تعيدون أمجاد الأمة العربية وتحرروا عربستان ولواء الإسكندرون.. أما فلسطين فأمرها مفروغ منه فبصيحة منكم يتلاشى أل صهيون.. لم اتركه يكمل خطبته.. صفّرت وصدحت باسمي الخماسي.. سجّلني.. سجّلني.. كان (كارو) قد مر صدفة قفزت إلى جانب حوذيه وهمست ل : بلغ أهلي بذهابي إلى معسكر جودايم.
عشقان 04-04-2006, 11:14 PM في جودايم التقيت شباباً أمثالي.. من كافة مناطق ليبيا.. والتقيت قائد المعسكر هذا الذو الذي أجالسه الآن في طنجة.. لقد جاء طين بلادي مبللاً بزخات ماء منهوبة حقي يلاحقني.. آه هذا الذو كان جسده ضامراً.. ملابسة عادية.. بنطلون قماش.. قميص مخطط.. وأحيانا بدلة عربية على اللحم.. دائماً ينتعل شبشب أصبع كان أمثولة للتقشف والزهد.. لطالما عزرنا ووبخنا مستكثراً علينا نعمة بلادنا التي نعيشها.. حيث المسرح الروماني وأحواض السباحة والطعام المطوجن والمحمّر.. والحلويات والملابس والرحلات الأسبوعية إلى الشواطئ البحرية والمدن الأثرية القريبة لبدة.. صبراته..
هذا الذو كان يصرخ: المفروض أن يكون المعسكر في الصحراء في الحمادة الحمراء.. حيث لا ظل ولا مأوى.. عقارب وأفاعي وحيّات وثعابين.. يضعون لكم صهريج ماء تفوّره شمس النهار الحارقة ويجلده زمهرير الليل الصقيع..
ها هو الآن أمامي يسكب قنينة البيرة المثلجة في الكأس.. يسكب على جنب القنينة مخافة أن تفيض فقاعة رغوة وتطير حاملة صورته إلى قبعات الحديد. مازلت أذكر صراخه بأعلى حنجرته:
- شباب الفاتح دوماً.. وكانت حناجرنا البكر الشبيهة بفجر ثورة ترد بحماس : قوة عزيمة إيمان.. كانت حناجرنا غير مشروخة تصدح بقوة.. كان لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب.. دائماً يستحلب منا المزيد من جهورية الصوت المموسقة.. لطالما طلب منا ترديد الشعارات بصوت أعلى من العلو.. صداه أقوى منه !!
- أريد أن تسمع هذه الأشعرة في طرابلس.. وتحديداً في ثكنة باب العزيزية حيث القيادة التاريخية..
- يلا نوروني الله ينوركم.
كانت المسافة بين غابة جواديم وثكنة باب العزيزية حوالي أربعين كيلو متر تقريباً.. وانتهى المعسكر وفرقتنا السنون الجاذبة إلى البعيد.. واختفى ذاك القائد وسمعت عن طريق الصدفة أنه ترك المجال لثوار حداثة جدد.. بعد استحواذه على مزرعة مثمرة كبيرة جداً.. وتفعيلة لشركة في الخارج بتمويل من بعض الأجهزة النافذة في الدولة.. وكما يقولون (الجبال ما اتلاقا والرجال اتلاقا).. هاهو الذو يكون ابن حلال.. ويتوقف ليصافحني ومن معي ويدعونا لتناول المرطبات والمكسرات والمدوخات.. لا ادري إن كان توقفه لي بالمرسيدس من قلبه العلوي أم من قلبه السفلي!.. وأنا امسح فمي من رغوة البيرة مر الشريط كطيف أمام مخيلتي.. أسرع السرّاد سارد الذكرى.. بإمكانه ضخ ذرات الزمان في لمحة ضئيلة.. البيرة فتحت شهيتنا لقبول جديد.. أنعشتنا وصيّرت أرواحنا تغوص في أحلام الانتشاء.. بعد أنْ عرف بتناولنا لطعام العشاء في البيت أصر على دعوتنا إلى ملهى ليلي.
- طرحة شوايات ما يضرنش.
زعمت له أنَّ قدرية زوجتي وماجدة أختها.. حضرت الكؤوس مترعة.. ويسكي لنا.. وعصير برتقال لماجدة وقدرية.. الموسيقى صاخبة وركح الرقص ملئ بالمبتهجين.. وحتى لا أكون قواداً رسمياً تتناقلني بكل شماتة أفواه الذاكرة الليبية، ناولت قدرية عشرين درهماً واستأذنته بتلبق أن نتركهما تعودان إلى البيت.. الطفل حانت ساعة رضاعته.. وماجدة عندها امتحان مهم غداً.. وعدته باللقاء معهما في القريب العاجل وعالجته بغمزة ودفعة كتف..:
- الجايات اكثر من الماشيات..
خرجت الفتاتان وانهمكنا نحتسي الخمر ونلتهم المقبلات.. مثرثرين هو يطرح الموضوع وأنا أسهب في تبطيله وتذكره وتجنتيله.. حتى يغيره إلى مضمار بطولة أخرى ناَلها.. كان يقبل الإطراء بابتسامة وبين حين وآخر يرمي صنارته فجأة.. أعرف جيداً ما يقوم به.. نثره للعبارات الودية ليس لوجه الله فوجه الله ملئ بالحسنات الطاردة لبثور الزلاّفة.. إنه استجواب ودي الظاهر فج الباطن.. شعرت بل تيقنت انه مخبر خمس نجوم.. بعد أنْ يتقاعد القادة ينقلبوا تلقائياً إلى قوادين.. كالمومسات العجائز بالضبط.. تأكد لي ذلك عندما سألني عن عملي في المغرب وكم لي يوم مطنّج ومتى ستتمركش.. وهل هذه أول زيارة للمغرب؟.. والمغرب أتيته من أي درب؟.. بر.. بحر.. جو.. حلم.. ومن التقيت صدفة؟.. وما أخر حلم حلمت به؟.. وهل فسرته أم لا؟.. وآخر مرحاض تغوطت فيه.. ثقبه عربي أم إفرنجي؟!.. وخذ من هذه الأسئلة التي لا تنتهي!.. ماذا أفعل لهذا النمس المخضرم؟.. طلبت كأسين جن وأخبرته أنني أتاجر في الأحذية، وأهرّب القليل من الحشيش للاستعمال الشخصي والأصدقائي.. ضحك وعبَّ كأسه دفعة واحدة.
- والكلاب ألم تشمك؟
- الكلاب النبّاحة لم تشمني؟!
- دعنا من الحشيش.. واخبرني عن تجارتك في الأحذية مربحة أم لا..
- مربحة طبعاً. مكسبها حلو..
وقبلت يدي ظهر وبطن حامداً الله رغم سكري.. ثم شرحت له بواسطة آلة حاسبة الرأسمال والتكاليف والجمرك.. حتى وصلنا إلى الربح الصافي البالغ نسبة المائة في المئة.. والمغامرة مضمونة المكسب.
تنتهي قعدة الخمر بمنحي صك بقيمة خسمة آلاف دولار.. وهو يوصلني بالسيارة أسر في أذني مغامراتك مضمونة يا خطير.. أنا مربيك على يدي.. الربيع من أوله يبان.. لماذا تترك ماجدة ترجع إلى البيت.. أريد أن أرقص معها الآن.. ماجدة عصفورة لذيذة.. لم تفعل بي خيراً.. أنت قاسي يا حمّادي نسيت العيش والملح.. هذه مغربية وليست أختك.. أطلق بيني وبينها.. معقولة تفلتها من يدي وتبيتني في الطل هالليلة.. ما درت فيَّ خير.. نساي عشرة أني ماقصرتش معاك..
- اهدأ يا أستاذ.. اهدأ بس.. اللي تبيها اتصير.. لكن كل شئ في وقته.. كل حاجة ولها أصول وتبَّي جوّها.. ركح الكارطة.. رانا في طنجة ماناش في ضيقنجا.
وتوقفت السيارة عند الإشارة فمسحت له وجهه بمنديل هامساً في أذنه أنه منديل ماجدة.. فجذبه مني واستنشقه بعمق.. اخضرت الإشارة فدسّه في جيبه وانطلق متمتماً: علي الطلاق نسحرها.
استغللت الفرصة وأدرت دفة الحديث إلى التجارة مجدداً.
- أخاف ضربات السوق.. أخاف الخسارة.
- غامر.. هذه الرحلة دخلت بخمسة آلاف.. إن سارت الأمور جيداً سأضاعف المبلغ.. النقود متوفرة لا تشغل بالك بها من الدينار للمليار.. رزق حكومه الله يدومه..
أوصلني الحي.. تلك الليلة لم أنم.. بل لم أفكر حتى في إسدال جفني كنت أول الداخلين إلى المصرف.. سحبت المبلغ وتبخرت عائداً به إلى قدرية.
كادت قدرية أن تسقط من المفاجأة.. بعد معرفتها القصة حاولتْ التنظير بالصدق والأمانة والشرف.. إلى آخر سمفونية المثالية.. وعندما تمادت في توعيظها لعنت سلسفيل أجدادها معصوبي الرؤوس فصمتت.
لم يعد لحسن.. كنا حريصين على هذا المال الممطور من السماء.. ليست السماء دائماً بخيلة.. عندما تدوخ تترنح فتجود.. لم نبدِ أي بوادر نعمة.. نفس التقشف ولعن الكل من ضيق الحال.. فقط قدرية حنّت على ماجدة فأهدتها خاتمها الذهبي.. في اليوم الثالث حدثت تطورات.. منذ الصباح جاء قائدي بسيارته المرسيدس.. لم استغرب كيف عرف البيت!.. أوعزت لعمتي رشيدة أن تصرفه بعيداً عن طنجة.. أخبرته أننا سافرنا إلى اغادير وحجزنا له غرفة معنا في ذات الفندق.. وناولته وريقة بها عنوان وهمي.. عند الظهر جاء الشيخ بوسبحة بطوبته.. رحبت به عمتي وضيفته على آتاي بالنعناع.. ووعدته بإخباري وإرسالي للروضة فور وصولي.
أرضيت عمتي رشيدة بساعة مكث.. بعدها أكملتُ ليلتي المنهكة مع قدرية عند الظهر عاد لحسن منهكاً ومبتلاً.. سعاله حاد مصحوب ببلغم اعتقد أنه عائد من رحلة تهريب هجّار إلى أسبانيا.. قبل أن يختفي تحدثنا عابراً عن عملية حرق قريبة.. دخلت ماجدة بالغذاء وبعد قليل عمتي وفي يدها حمامة ترك لحسن الطعام وتناولها.. فك من رجلها شريطاً صغيراً ملفوفاً بعناية فضّه بحرص.. وقرأ محملقاً خلسة بطرف عينيه في وجهي.. ثم مزّق الورقة إرباً وتصنع ابتسامة.. افضيت لـقدرية عن عدم راحتي لـلحسن.. في المساء لم افرط في الشراب.. وغمزت قدرية أن تغادر إلى الغرفة بينما بقيت معهم.. استأذن لحسن وخرج.. وغادرت ماجدة إلى غرفتها تاركة الباب مفتوحاً.. بقيت وعمتي رشيدة أتأمل شفتيها المسوّكتين.. تمضغ اللبان بصوت.. آخ من وتر اللبان المهتز.. ذهبت إلى غرفة لحسن بعد أن طلبت منها قهوة ثقيلة ومرّة.. في غرفة لحسن شعرت بالانقباض والضيق.. ففتحت مصراعي النافذة استنشق هواء الله.. وإذ لاحت مني نظرة على الشارع حتى لحظت لحسن عند الناصية يدخن ويرى ساعته كمن ينتظر موعداً.. نقلت طرفي إلى الناحية الأخرى.. إلهي ما هذا!.. مريد الشيخ بوسبحة يصحبه عملاقان مجلببان.. انتابني القلق.. وانهمكت في مراقبتهما.
شعرت بعمتي رشيدة تضع فنجان القهوة على الطاولة.. وبخاره يتضوع يصل أنفي فاستنشقه بلذة.. بخار مر حار.. اشعر إنها تلتصق بظهري.. تلعق رقبتي بلسانها واربت النافذة مستديراً نحوها ومنحتها مطلبها فتحت النافذة قليلاً استرق البصر والسمع.. النقاش يدور حولي.. شرائي.. خمسة آلاف.. ألفان.. خاتم سليمان ما يقدر بثمن.. كيف تاخذوه بلاش.. أحد العملاقين يصفع الحسن فيسقط أرضاً ومريد بوسبحة الأعرج يتوعد: سنعود ربما الليلة.. نتشاور مع الشيخ.. يا بغل يا خروف!..
دثرت عمتي رشيدة وخرجت إلى غرفتنا.. اعددنا حقيبتنا سريعاً أنزلناها إلى الأرض من الشرفة بواسطة ملائتين ربطناهما في بعض ونزلنا وراء الحقيبة متسلقين إلى اسفل.. ركضنا بمحاذاة الشاطئ ابتعدنا مسافة مناسبة ثم صعدنا الطريق العام مخلفين البحر وراءنا.. البحر الذي ظل يهدر ويزفر عبقاً نفاذاً نسميه في بنغازي ضرطة بحر.
اقترحت قدرية الرحيل إلى أصيلة.. لم أمانع.. هميّ هو الابتعاد عن طنجة.. منذ سنين حضرت قدرية مهرجان أصيلة الثقافي.. استهوتها المدينة الساحلية القابعة كقطة على شفة المحيط.. مبانيها أغلبها ذات طابقين.. مطلاة بالسماوي والأبيض.. شوارعها نظيفة.. أناسها ممسوسون بتذوق رحيق الإبداع.. جاءتها من الدار البيضاء حيث تدرس اللغة.. كانت أمها ترسل لها ما تيسر من مال.. وإن تأخرت الحوالة تعمل أيام في فندق حياة رجنسي.. أو أحد ملاهي عين ذياب.. ولكونها خليجية فكثير ما خرج بها المغاربة الميسورون وهم في غاية الانتشاء والمرح كانت تتلفع بالملاءة السوداء، وتتعطر بالعود الكمبودي، وتكحل عينيها بمبالغة لتسييح الدمع الأسود.. ثم تجلس في المشرب متفرسة في الوجوه تختار فريستها بعناية، وتشترط علي أنْ يتم الدفع قبل الرفع وأن يكون الإيلاج بالكوندوم.. كانت تقول عن شيئها أنه جحيم من دخله عارٍ ترمد وتفتت..
في كل مدن المغرب يصادفك الخليجيون.. يدورون كقطيع ظامئ.. يشترون من الفقر روحه ليسفحوها على فراشه وأمام عينيه.. كثيراً ما تمَّ جلب المروكيات بواسطة عقود عمل واهمة.. لاستعبادهن كخادمات ومحظيات في صحراء الزفت.. الزفت الأسود يجفف اللحم الطري.. يجتث الطراوة من بذرتها.. آه ذو تركّع بدون ووجهها للقبلة.
عشقان 04-04-2006, 11:14 PM قدرية فضّت في بلد الذو وبخازوق غريب مستأنس.. أوجعها الأمر كثيراً.. أثناء التضاجع كثيراً ما داهمتها لحظات التجلي فصرخت للزبون العربي.. اضغط اكثر.. أقوى.. لقد دخلني اليانكي عنوة.. مذ تلك الليلة لم أمنعه عن أبناء عمومتي أو جيرانهم من البربر والغجر.. كان لـقدرية أصدقاء كثر في أصيلة أخرهم فتيحة التي تعرفت عليها في الضريح.. بسهولة تحصلنا على مأوى.. غرفة رخيصة في فندق شعبي يغض الطرف عن الطرف نفسه.. شرفة الحجرة مطلة على المحيط.. اشترينا بعض الملابس وما نحتاج من أقلام وورق وكتب.. ولم ينقصنا الخمر والكيف بالطبع.. بالتعبير الليبي.. جنّة وفيها كعك.. مرت الأيام الأولى هنيئة حتى أننا تخيلنا أنفسنا نقضي شهر العسل.. في هذا الهناء الهادئ تفرغنا للتخطيط لما نحن عازمون عليه.. غصنا في أنفسنا.. قلّبنا جميع رغباتنا.. تناقشنا مجتمعين وكل واحدٍ على حده.. لم نستطيع تحديد الهدف.. عجزنا عن الإمساك بالشيء.. عمينا أن نراه.. قدرية ترغب في الانتقام.. رد لاعتبارها على الأقل.. وأين هو المجرم وكيف ستصل إليه.. وأنا.. آه قصتي قصة.. إلى الآن لم أروها صراحة.. الآن في رأسي القصيدة المفقودة.. وللعلم رأسي كبيرة.. والقصيدة المفقودة لن تملأها إن وجدتها.. دائماً تطل تنقذني من الذهنية إن حاولت تمزيقي.. الشعر نسمة باردة في لفيح الوجود الصاهد.. في الحياة هناك أولويات تائهة.. قد لا تصدقوني إنْ قلت لكم أنَّ أولوياتي هي الأشياء البسيطة.. أصحو.. استحم.. أتعبد.. أفطر.. أخرج.. أعود. استحم.. آكل.. أنام.. أقرأ.. أكتب.. أتسكع.. أسكر.. أضاجع.. أنام.. العن الدولة في الأحلام.. أليس ما ذكرت أولويات، أليس ما ذكرت أشياء بسيطة.. لكن لقائي بـقدرية ليس من أولوياتي.. جاء صدفة محضة.. فلذلك لا اعتبره بسيطاً.. اعتبره جليلاً عظيماً.. لا ادري لماذا تصر على أنْ أضاجعها بالكوندوم.. هل تخشى إنجاب مشواشي حديث، أيكون هابيل لأخيه الأمريكي!.. أم أن مغتصبها مصاب بالإيدز فتخاف انتقاله لي.. تقولون أنَّ الإيدز لا تظهر أعراضه إلا بعد ثمان سنوات.. وأقول اتركوني فوق قدرية ثماني حجج متواصلة وبعد ذلك فليأت مليار إيدز ليقبضني.. لم أصارحها في أمر الكوندوم احترمت رغبتها.. أضف إلى ذلك إنها حارّة.. لو ضاجعتها حتى بقفاز مشمع فسأستلذ.. اعتقد إنها سليلة الأبوقراطيين القورينيين.. لقد ولج الاسكندر الأكبر أرضهم في الزمن الغَبِر.. والفاتحون أشبق المضاجعين!.. عيناها تؤثر.. كلماتها المموسقة تعذب.. لهجتها.. أثناء الغضب تجنن.. دائماً تغني لي: يا ناس احبو واحب اسمع سواليفه.. وبعاد كنتم والا قريبين..
عندما اغتصبت في عمان.. وبرز حملها اشتكت للشرطة.. وتمَّ استدعاء الضابط عن طريق وزارة الخارجية.. حضر وسط جيش عرمرم من المحامين وكأنه كلاي دخل ليلاكم.. محامون عرب من كافة الجنسيات ومحامون أمريكان وراءهم.. وسارت التحقيقات الروتينية وجمعت المحاضر والتقارير والحيثيات والإحراز.. قال الضابط: هي من اغتصبتني.. هي من جاءت إلى غرفتي.. هي من أزاحت قلفتي إلى الوراء ثم امتطتني.. وقدرية كانت مصعوقة.. مخجولة من كذبه الأوقح من الوقاحة.
ما أمر أنْ يكذب الغريب في دارك.. صرختْ بهستيرية كذاب.. كذاب.. فصرخن فيها سجّانات بلادها.. اسكتي يا قحبة.. الأمريكي ما يكذب.. نضج الجنين وخيرّت نفسها بين إجهاضه أو ولادته.. اختارت عدم وأد البذرة.. ولدته سراً ولّدتها قابلة يمنية.. عجوز متسللة تعيش في السلطنة بأوراق مزورة مشتراة.. كان ذكراً.. أبيض.. عيناه خضراوان غامقتان كالصيص.. شعره اسود.. شفتاه ممتلئتان.. تمَّ تقاسم جيناته بين العرب والفرنجة بالعدل!.. الرحم أعدل الآويين.
كانت أمها محزونة لمصابها.. متألمة لما آل إليه مصير ابنتها.. تشعر أنَّ تلك العرّافة قد خدعتها.. إذ قالت لها فور الانتهاء من عملية (تصفيحها) لن تفتض بكارتها إلاّ ليلة الزفاف.. ولن تفتض بالعضو التناسلي إلاّ بعد حرقك لخيط المسد هذا مع تلاوة التعاويذ.
يبدو أنَّ هذا السحر يبطل إن كان الإيلاج عن طريق الاغتصاب.. أو ربما ينفع مع المختونين فقط.. أخرجت الخيط من قعر الصندوق ورمت به في مكب قمامة يحترق.. دفعت قدرية بالمولود للخادمة (فيروز) التي سجلته في السفارة على أنه أبنها من زوجها (عمران) المغادر إلى بيشاور منذ شهور.. أرضعته قدرية ثلاثة شهور.. وعندما دبّرت جواز السفر المزوّر.. قبلته باكية وأرضعته الرضاع الأخير.. ثم جشأته وفمه في أذنها واحتضنته بحنان.. سنلتقي يوماً ما يا (ريحان).. سأقتفي بلل لبني أينما حل.. سأرضعك مجدداً ولو بالنظرات.. كانت قد أسمته ريحان اسم ورد على طرف لسانها دونما تخطيط.. كلقائنا بالضبط.. دائماً وليس أبداً الخطوط معوجة.. حتى وإن رأتها أبصارنا مستقيمة الامتداد.. أمواج البحر معوجة لاعوجاج الشواطئ.. للموج عيون آه.. ماذا تقولون؟!
من يومها لم تره.. آخر الأخبار الواصلة إليها أنَّ ريحان وفيروز أبعدا إلى بيشاور.. خروج بلا عودة.. بعد تورط فيروز في مشاجرة مع مواطن من زنجبار.. أما الأمريكي فبعد اختفاء قدرية وغيابها عن حضور الجلسات طالب عن طريق محاميه بتعويض كبير كرد اعتبار لشرفه العسكري.. كسب القضية وتمْ تحرير مذكرة توقيف دولية بحق قدرية.. عمم اسمها وصورتها وبصماتها على مكاتب شرطة الإنتربول في كل أنحاء الأرض..
تمَ نقل الأمريكي إلى قاعدة غوانتانامو حفاظاً على نفسيته التي أنهكتها القضية.. في غوانتانامو سينسى ويرتاح.. جوز الهند.. المانجو.. الموز. السيجار الكوبي.. البحر.. الخلاسيات والزنجيات اللواتي لا يذهبن للشرطة ولو انجبن توأماً.
نحن جالسان نتأمل الموج المجتر للأشجان.. كل موجة سطر ماء بائح.. ما أنِفَ حكاه الموج.. اقتنصه من ذاكرة قدرية الباكية.. ها نحن نتأمل المحيط الذي عبره كولومبس صحبة مغامريه مؤسساً عالماً لا يعبر من مكان إلى آخر إلا على مطايا الدم.. الدم الطازج النابض بنفرات الحياة.. باحت ولم أبح كفاية.. لم تولد لحظة التشظي بعد.. متماسك أنا رغم الأنواء.. كان الوقت أصيل.. وطقس أصيلة ناعم منعش.. لسنا باردين.. زجاجة نبيذ تنتقل بين فمينا.. وصحن به شواء متبل جيداً نصيب منه كلما انتشينا.. والرذاذ الصادر من رطم الأمواج للصخور يرش وجهينا.. وفي السماء طيور سعيدة شبعى.. تطير ولا تلتقط شيئاً والشمس مغمور نصفها في الماء البعيد.. آخ.. آخ.. يا قدرية. وتجلّت قدرية فأخذت تحملق في الأفق ناحية الأندلس.. وضعت راحتيها النديتين. اتسعت عيناها كبحر.. كمحيط.. ككون.. أوقفتني.. طاوعتها.. قبلت جبيني ثم جلستْ في حجري.. سأنشدك الفلامنجو وأرقصها معك.. لقد أتت.. أتت ذروتي أتت.. وصلت.. لا تتوقف محمد.. أهصرني بعينيك المشرقتين.. بابتسامتك الباسمة.. لقد.. أتت آه.. آه.. الرعشة الشعرية.. آه.. آه..
الزرقة التي خلقت ذات بحر
هربت نحو السماء
تتدلى الكروم لتصنع نبيذ الخلفاء
الشارع المجنون في قرطبة
يهلث خلف كلاب
شهرت أنيابها في وجه قمر
أتخلّق الآن بجعة تحوم حول بحيرة
لترقص الفلامنجو
وتوزع ابتسامتها
على السمك الملون كحصيرة العشب
أدلي رأسي من النافذة الشرقية
أحول إلى أسد يزأر
أمام قصر الحمراء
ليطرد الأرواح الشريرة
أترنح كقطعة نرد
اسقط على رقعة بسطت ذراعها
أمام موري
يدخن الحشيش ذات ليلة بائسة
النافذة تعشق القمر الذي دلّى رأسه
متلصصاً على نهد غجرية
تشبه أزميرالدا
عادت للتو لتخلع وجهها
المليء بالندوب
وإسبانيا
تعيد تشكيل تضاريسها التي نحتتها الريح.
طوال سبعة قرون
أرقب النجمة البيضاء
التي عشقت أرخبيل الليل
اقترب من السماء
اسكب الشرق
في فنجان قهوة
اشرب نخب الليلة الأخيرة
وأنام.
سأحترق لو واصلت النفث.. رفعتها أدور بها على الشاطئ دورات.. كانت تضحك وكنت أبكي.. وكانت الشمس غطيسة بالكامل..
- إذن أنتِ.. سبحان الله.. أنت صاحبة القصاصة.. قصيدتي.. وحكيت لها قصة القصاصة المحفوظة في جيب حقيبتي التي سلبها مني المشعوذ في مراكش.
كانت ليلة من أجمل ليالي العمر.. من أدفئها على الإطلاق.. من أحنّها على الإطلاق.. تلك الليلة نست أنْ تلبسني الكوندوم.
عشقان 04-04-2006, 11:16 PM قررنا عبور مضيق الجد.. العبور إلى أعلى اصعب من العبور إلى اسفل.. ليس سهلا أنْ تجد المركب الموثوق به.. اكثر المراكب والزوارق متواطئة مع خفر السواحل.. كثيراً ما يسلمون الحمولة إلى السلطات ويعودون لتقاسم الغلّة.. في يوم جمعة زرنا قبر جان جنيه في العرائش.. وعند المساء عدنا بالحافلة إلى أصيلة.. في إحدى الاستراحات التقينا بأحد أصدقاء قدرية.. وهو من ذوي السوابق الثقيلة.. الشرطة تعتبره (كبراناً) مميزاً.. محل ثقة واحترام.. له كلمة شرف.. فتستعين به في كثير من أمور السجناء المستعصية.. يمنح إجازات للسجناء.. يفك تمردات أو مشاكل بنظرة أو كلمة.. يعيد فارين إلى زنزاناتهم.. حتى وإن وجد الباب مفتوحاً لا يهرب دعوناه على قهوة بالحليب وشطائر خفيفة وفاتحته قدرية بالموضوع.. طلب ألف دولار.. بعد كلمات لوم وعتاب وحديث عن العشرة والإنسانية والعيش والملح وطيبة القلب والبؤس سلمناه ستمائة دولار..
منذ ذلك اليوم لم نخرج من الغرفة.. إلا لأوقات قصيرة.. كلقاء قدرية مع صديقتها فتيحة.. كانتا تتسوقان في الحواري القريبة.. لاقتناء مشغولات بدوية تتفنن الريفيات في إنتاجها.. مرّ أسبوع ولم يظهر الرجل.. يومان.. ثلاثة.. وفي نهاية الأسبوع الثاني زارنا وأعطانا الموعد والمكان.. في منتصف الليل أخذتنا سيارة رينو صغيرة إلى شاطئ مهجور.. ركبنا فلوكة.. سلمتنا إلى زورق سريع ينتظر.. بالزورق حوالي عشرين نفراً.. قدرية هي الأنثى الوحيدة.. انطلق بنا يشق عباب الماء.. قط يتجول بين الركاب.. تقرفص بجانب قدرية فأخذت تمسح على فروة ظهره وتناجيه.. :
- حتى أنت مللت.. مطلوب. هارب مثلنا. أين تركت أوراقك مثلنا عند فتيحة.
هزهز ذيله وازداد اقترباً منها.. قفز في حجرها فالقمته ملعقة زبادي صار يتلحسها ببطء.
- هل عرفت هذا القط يا محمد.
- لا
- خمّن – ليس هناك قط مقطوع من شجرة.. المواء متواصل إلى أبد الأبد.
- لا علم لي بسلالات القطط وأنسابها.
- سأخبرك بما خمّنت. ربما يكون حفيداً لقط زوجة بول بولز المطرود بعد موتها.
- حفيد.
- نعم ليس الرؤساء والملوك فقط لديهم أحفاد.. حتى القطط والحمير أيضاً..
التقط الزورق مجموعة ركاب آخرين.. وصل العدد حوالي ثلاثين.
تعارفنا مع الحضور.. القلق يكسو وجوه الجميع.. والألفة القصيرة تجاهد لإخفائه.. تبادل رفاق المغامرة السجائر والسلام والابتسامات والأمنيات والأحلام.. وأقنية ماء سيدي حرازم.. وسيدي علي.. والشموع وكسر السكر المجلوبة من الأمهات والحبيبات وأضرحة الأولياء الصالحين.. في مقدمة الزورق رجل منطوٍ لم يمتص قطعة سكره.. مطأطئ يبتسم دوماً.. أحسست بانشداد إليه.. ربما أكون قد قابلته من قبل.. أو حلمت به.. أكيد.. أكيد..أين؟! ومتى، ركّزت جيداً.. آه.. تذكرته فورما التقت عيوننا.. حييته فصافحني..
- عليك السلام ورحمة الله.
- لا باس بخير.
هذا الأمرد هو الملتحي الذي قذفني بالزندقة في ساحة جامع الفنا.. كان يداري وجهه عن وجه قدرية السافر.. تركته في أوراده وعدت إلى مقدمة الزورق فاعترضتني قدم حتى كدت أقع.. قطبت في المعترض..
- هو أنت !
- سامحني الشيطان غرّني!
كان المتكلم لحسن ابن رشيدة.. المتاجر في خاتم سليمان المنقوش في عيني مع الشيخ بوسبحة.. وجوده على ظهر الزورق أمر طبيعي.. لكن الحذر.. الحذر..
لم أردد عليه وواصلت طريقي إلى حيث قدرية واقفة ممسكة بحبل مربوط في حلقة على حافة الزورق بجانبها القط يتمسح بساقها.. قرب الفجر بدأ الساحل يلوح والجبال ترتفع كلما اقتربنا أكثر.. صاح الربان: بعد قليل استعدوا للقفز.. الكل ربط صرته فوق رأسه ثبتها جيداً.. كانت قدرية قد قسّمت ما تبقى من مال في لفافتين مغلفتين بقطعتي كوندوم غير مستعملتين.. وأحاطتهما بشريط لاصق مانع للتسرب.. أعطتني واحدة ودسّت الأخرى داخل تبّانها الداخلي.. أخذ الزورق يبطئ من سرعته مقتربا من الشاطئ مطفئ الأنوار متوقف المحرك معولاً على اندفاع صدى القوة الماضية.. ولما صار الشاطئ على بعد كيلو متر واحد تقريباً أمرنا الربّان بالقفز.. قفز حوالي عشرين والبقية تراجعت خافت.. ومعلوم جيداً أنَّ المتراجعين تضيع عليهم نقودهم وتؤخذ منهم نقوداً أخرى ثمناً لرحلة العودة.. البحر مرتفع الأمواج.. سبحنا جنب بعض.. حتى القط يسبح معنا.. يتقافز فوق الصرر التي على رؤوسنا.. كل سبّاح أخذ طريقه إلى الشاطئ.. الأمواج تغمرنا ونحن نغطس ثم نطل متجنبين تياراً سفلياً يجرّنا إلى الوراء العميق.. جاعلاً سباحتنا المقتربة من الشاطئ نوعاً من العبث.. كلما أرفع رأسي أرى الشاطئ بعيداً والزورق بعيداً ثم يخفيني البحر فأرفع رأسي مجدداً.. الشاطئ مازال غير مدرك.. ومذ متى تدرك المرافئ دون عذاب الشاطئ يبدو صغيراً جداً.. وكأن الكيلو متر قد تمطط أو تناسخ.. مر بجانبنا لحسن شاقاً طريقه بضربات منتظمة كتمساح.. لم أعره اهتماماً.. واصلت السباحة بدأب.. قطعنا نصف المسافة وبدأت قوانا تخور تدريجياً.. حماسنا فتر وفجأة سمعنا صرخة استغاثة وبقبقة.. التفت ورائي.. الذي زندقني يتخبط ويغوص ثم يرتفع ثم يغوص اكثر.. كانت قدرية أقرب له.. غاصت وراءه ودفعته من تحت حتى أطل رأسه فسعل واستنشق الهواء.. وما إن وجد قدرية بجانبه حتى صرخ وصفعها سابحاً بعيداً عنها.. ثم خار وغاص من جديد غطست وراءه سريعاً ودفعته إلى أعلى قليلاً.. وعجزت بعد أن تشبث برجلي وكاد يغرقني صفعته وجذبت نفسي خارجاً دونه فغاصت له قدرية ذات نفس الغواصين أجدادها.. أدركته هابطاً إلى القاع دفعته إلى أعلى بدفعات متواصلة.. ظهر رأسه فاستلمته وسعل وتنفس من جديد.. ابتعدت قدرية عن.ه. وصرت أطوفه بهدوء ريثما استجمع أنفاسه وقواه.. لأدفعه بعناية إلى الأمام من قدميه وقدرية تدفع قدمي من الخلف.. صرنا قطاراً آدمياً يسبح بهمّة، مقوده إيمان.. وذيله إيمان في وقت الشدّة.
القط يقفز بين الصرر الثلاثة وكأنه يحمسنا للصمود.. مواء شجي يصدره القط.. مواء من حنجرة خننها الماء والملح.. فيبتسم المتدين ويندفع إلى الأمام اكثر.. ونندفع وراءه خشية أن يخدعه سراب الحماس فيغوص.. واصلنا السباحة بضربات معتدلة حتى أدركنا الشاطئ متعبين.
قفز القط ونفض فروته من الماء.. صار يجري وينبش الرمال ويقلب التفل بمخالبه.
بعد أن ارتدينا ملابسنا
قال لنا المتدين: لم تنقذاني أنتما.. لقد أنقذني الله !.
عشقان 04-04-2006, 11:18 PM الجزء الثاني: آمـــال
http://www.ediwan.4t.com/alasfar/pics/part_02.jpg
سوق الأحد المحاذي لشاطئ تاريفا يرتسم مع ساعات الصباح الأولى.. عربات البيع تصل تباعاً.. تنشر مظلاتها وتفرش بضائعها على أبوابها الصائرة بانفتاحها طاولات.
المقاهي والمطاعم المتنقّلة تتموقع في مكانها المخصص لها.. حافلات وسيارات تنزل ركابها وتصطف داخل المرآب ذي الممر المبوّب.
الذي أنقذه الله استقبله اثنان وشوشاه فأرجأهما ريثما ودّعني.. قبل أنْ يتواروا في الزحام لوّح بيده لـقدريّة.. القط تبعهم.. بعد شبه حين عاد وفي فمه قطعة جبن صغيرة.
بعض عربات المبيت تشرّع نوافذها.. عشاق.. يجرون.. يغطسون.. يمتزجون بالأمواج العالية.. الشهير بها الشاطئ التاريفي.. رياضيو القوارب الانزلاقية والشراعية يستعدون لحصة التدريب الصباحي.. طيور تحلق في الأفق.. والأفق يبحث عن أجنحة.. والأجنحة مكبلة في الظهور.. السوق تكبر.. تتورم.. تسيح في كل الاتجاهات.
تناولنا إفطاراً في مطعم متنقّل.. اشترينا بعض المستلزمات الشخصية..أعجبتنا حقيبة تثبّت على الظهر فاقتنيناها.. خلقٌ من كافة الأجناس.. سوادهم الأعظم ريفيون أسبان.. التقينا عرباً لم نتبادل معهم بنت شفة.. ولا حاولوا هم.
في الأسواق الوقت يمضي سريعاً.. منتصف النهار حان.. علينا بتدبير أمرنا قبل انفضاض السوق وارتفاع قبعة الزحام.. استرحنا في مقهى نتناول مشروباً وندخّن.. في الطاولة المحاذية عجوز يرشف عصير البرتقال بتلذذ طفولي.. يتمعّن في البحر الموّاج.. تأملنا مثله ورشفنا من كأسي البيرة الباردتين.
التأمل رشف بصري غمّر معين وحدتنا برحيق الارتياح.. وفجأة قطبت قدريّة إذ دخل لحسن ولد عمتي رشيدة.. صحبة امرأة مغربية على جبهتها أثر لجرح قديم. تغطّي رأسها بشال أحمر مؤطر بالسواد.. الجذّاب فيها جلابيتها الخضراء الراسمة تضاريس جسدها بعناية فائقة.. المرأة هي بهيجة خالة لحسن المهاجرة منذ زمن.. بإمكانها تقديم كافة الخدمات لنا.. المأوى.. العمل.. تستقبل المهاجرين الجدد.. تدبر أمورهم لقاء مبلغ يدفع فور تقاضي المهاجر أول أجوره.. يسمونها أم المهاجرين أم الضائعين وأختهم وكل شئ.
زوجها جزائري فار من صراع الجماعات.. هو من فرض عليها ارتداء غطاء الرأس.. سي رابح يعمل في مزرعة أنطونيو.. بالإضافة إلى عمله في إيواء المهاجرين وخدمتهم.. منذ سنوات دخل البلاد بطريقة رسمية.. انقضت مدة إقامته ولم يغادر.. بعد مدة دبّر له الإقطاعي الكبير أنطونيو أوراق الإقامة وألحقه بالعمل طرفه.. كان لا يستغني عنه أبداً.. تستطيعون القول أنه ذراعه الأيمن.. ملازمه.. ظلّه حتى في الظلام.
نائبه في سفراته الطويلة.. ودهّاؤه في حملاته الانتخابية.. يعرف جيداً كيف يجمع له أصوات وتعاطف الوافدين.. في بعض الأوقات يسلّمه كافة شؤون المزرعة.. كانت الإتاوة الوحيدة التي يقدمها على مضض هي مضاجعة إيزابيلا المشبوقة بجنون.. يفعل ذلك في غفلة من بهيجة.. والتي بطبيعتها كأنثى لا يغبى عليها الأمر.. هي مثله غير وفيّة.. بين الأحايين تخونه مع بائع متجول يطرق الدرب كل أسبوع مرتين جالباً لها ما تحتاجه من كبب السلك.. لزوم نقش مفروشاتها اليدوية دائماً تعد له الكسكسي بشدق رأس الثور.. الذي يهيّجه موأوّجاً نشاطه.
إيزابيلا زوج انطونيو تجاوزت الأربعين.. طويلة ممتلئة دون ترهل.. عيناها خضراوان واسعتان.. شعرها أشقر قصير.. جيدها طويل.. أنفها دقيق.. جبهتها مشدودة لا غضون.. دائمة التأمل في البحر. أحياناً لساعات متواصلة.. تواصل تأملاتها إلى أنْ يهل رابح أوان الغروب.. فينبهها.. أحياناً تطاوعه وتعود معه وكثيراً تجذبه ناحيتها ماطرته بقبلات شفتيها الشفقيتين.
لا يتركان فراش الرمل إلاّ وتكون الشمس قد صاحبت اللذة في غروبها.. كانت الممارسة تحدث دون تخطيطات مسبقة.. أو مواعيد محددة.. أيروسية تلقائية.. كلما رغبت ارتوت.. في صدرها صحراء تشرب اللحم.. تمصمص النخاع ومن ثمَّ تهرس العظم وتذروه على سراب الشياطين.
أثناء العودة إلى المزرعة يطلب منها رابح ما يريد.. فلا تتكلم.. تهزهز رأسها موافقة.. أكثر مطالبه مساعدة المهاجرين في الحصول على عمل أو أوراق..
ألحق قدريّة بمشغل حياكة.. ومحمد بمعمل مربّى.. بهيجة ترأس فيه قسم الفرز.. سرعان ما فرزته.. ولم يمانع في امتطائها بعد أن جرّعته زجاجة نبيذ فاخر.. كان يرى صورة بنت أختها ماجدة.. الجسد الشهي المصقول المتروك في طنجة.. استدعته إلى مكتبها وقدّمت له كوب آتاي منعنع.. قبل أن يرفعه إلى فمه مسح يديه بمنديل من آثار المربى.. نبّهته لإصبع مازال ملطخاً ببعض العليق الحلو.. لم تتركه يعيد المسح بالمنديل.. حشته في فمها.. وانقلبتا عيناها..همس في أذنها: بنت أختك ماجدة زوينة.. تجيد فعل ذلك.. وسحب إلى اسفل سحّاب السروال.. لم تقذف ما انقذف.. بلعته بظمأ.. ورشفت فوقه رشفات آتاي ساخنة.. صارت تبتسم ثم عانقته بعنف تقبّله تشاعِله من جديد وتتأمل بطرف عينها الساعة الحائطية.. وفجأة طرحته سريعاً على الكنبة.. في آن اللحظة دخلت إيزابيلا من باب جانبي كانت عارية تماماً.. أبعدتها عنه وامتطته بدلاً منها.. تجدد اشتعاله وتضاجعه بهوس.. خرجت بهيجة دون تأثر.. وكأن ما قامت به دور مألوف تتقمصه في مسرحية.. وهي تتوارى صار يرمقها ويفكر في ابتسامتها غير الذات معنى.. ترك نفسه لايزابيلا.. يتمرغان على الكنبة ويسقطان إلى أسفل.. حيث جمود البلاط البارد.. البارد.
|