خاطرة الحنين إلى الماضي -نوستالجيا-

” صوتٌ عذْبٌ خشِن ذاك الذي يخدش أذنك حين تمرِّر أصابعك على خَشب الطَّاولة !

هو لا يعني شيئاً لشخصٍ ما ، مجرَّد طقطقات أصابع و خربشات على الطّاولة قتلاَ للوقت في انتظارٍ ما . لكنَّه و بالتأكيد يعْنيني بالذَّات ! كان قَدَراً أن أرتبط لسببٍ أو لآخر بهذا الجماد الذي يقعْ وسط المطبخ ! ” هكذا فكَّرت صباح و هي تجلس على طاولة المطبخ الخشبية ، و أمُّها تتحرَّك بنشاطٍ بين أركانه تغلي ماءً هنا وتسوِّي عجيناً ، و هي تتأمَّلها تارةً و تارةً أخرى تتأمَّل خشب الطَّاولة ! كانت أمُّها تتحدَّث إليها أثناء تأمُّلها و تضطر لتكرار اسمها عدة مرَّات و بصوتٍ عالٍ ، عندها تهزَّ رأسها بشدَّة كأنَّها تطرد أفكاراً من رأسها و تلتفت إليها ليعيدها السؤال لما كانت فيه مجدَّداً :

” أين سرحتِ بأفكارك ؟ ”

لم تجبها ! اكتفت بابتسامة خافتة ونظرت بعدها عبر النَّافذة ، كان وقعْ أشعة الشَّمس على زجاجها المنقوش آسِراً ، وحرارتها ناعمة أليفة تحسُّها و بطريقةٍ ما قد وصلتها و اخترقتها . و انعكست خطوط ضوئيّة متفرِّقة منها على طاولتها ، فما لبثت أنْ عادت بذهنها للوراء أكثر ولأيَّام طفولةٍ قديمة ! حين كانت صغيرة قُرابة السَّابعة. كانت تستهويها هذه الطَّاولة لبرودتها ونعومتها الدائمة حين تلسمها . و كثيراً ما تساءلت عن سرّ برودتها . ربَّما كان بسبب رذاذ الماء الذي يغمرها من حينٍ لآخر ، لم تدرِ قطّ ما السّبب !

في الظهيرة حين يسكن الحيّ و بما فيه منزلهم و يغمر الجوّ كآبة و رتابةْ منتصف النهار. كانت هي تستمتع بأن تذهب إليها “مخبأها السريّ” ! و ترقد مستلقية على بطنها تتحسَّسها و تشمّ رائحة الخشب و هو مبتلّ . يأخذها ذلك إلى الخريف و صباحاتٍ نديَّة باردة لطالما أحبَّتها ! و في ليالٍ كثيرة حين تنقطع الكهرباء و يسود الجوّ سواد و سكون . تذهبُ إليها و تستلقي على ظهرها هذه المرّة و تنظر عبر ذات النّافذة . لظلام ، للاشئ ! و تدندن بأغاني من الذَّاكرة ارتبطت دوماً و أبداً بطقْس انقطاع الكهرباء الأسبوعيّ .

كان مجرَّد النظر إليها يُوحي إليها بأمان وحميمية و دفء منزلها و الحبّ . و ربَّما أيضاً صنوف ووجبات طعام ستستمتع بها خلال اليوم ! عند عودتها للمنزل بعد يوم مدرسيّ طويل كانت دوماً تهرع للمطبخ . تنظر إليها لتعيد ترتيب فوضتها و تحسّ بارتياح مسافر عاد لموطنه و بيته بعد سنواتٍ من الترحال والغربة و الوحدة
.

كانت الطاولة كأمِّها الروحيّة و دميتها المفضّلة التي تبادلها الحديث ما قبل النوم . تنفرد بها و تودعها أسرارها ! و هي كمن تقضي وقتها في أحاديث مع صديقٍ هلاميّ مُتخيَّل لا يراه أحد سواها ! و مع ذلك كان ارتباطها بها يضفي عليها إحساساً بالنُّضج . بالقدرة على الخيال . بالتساؤل و الفضول . و إن كانت تساؤلات طفوليّة بلهاء محْضة مصدرها مخيِّلة و عقل طفل صغير ! و بالتخيُّل و الهذيان الطفوليّ ذاته كان يتهيّأ لها طيلة الوقت أنَّ الطَّاولة لها روح تستمع إليها و تحكي لها أيضاً بلغةٍ تعيها هي فقط لا غير ، تنتظرها دائماً كلَّ يومٍ جديد !

و أنَّها بعد سنواتٍ طويلة ستذكرها دوماً طفلة و رفيقة و ستبتسم من ذكراها لها و تجد لها نحتا خالداً فيها للأبد ، ما بين نتوءاتها و سنين العمر!

Summary
خاطرة الحنين إلى الماضي نوستالجيا
Article Name
خاطرة الحنين إلى الماضي نوستالجيا
Description
في الظهيرة حين يسكن الحيّ و بما فيه منزلهم و يغمر الجوّ كآبة و رتابةْ منتصف النهار. كانت هي تستمتع بأن تذهب إليها “مخبأها السريّ” !
Author
Publisher Name
قصص عشقان
Publisher Logo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *